الزواج ميثاق غليظ| العنف الأسرى خطر يهدد استقرار الأسرة والمجتمع

 د. روحية مصطفى - د.عصام المغربى - جيهان بدر
د. روحية مصطفى - د.عصام المغربى - جيهان بدر


يُعد العنف الأسرى من أخطر الظواهر الاجتماعية التى تهدد استقرار الأسرة وسلامة أفرادها، إذ لا يقتصر على الإيذاء البدنى فقط، بل يشمل العنف النفسى والاقتصادى والجنسي، بما يترك آثارًا سلبية عميقة على الصحة النفسية والجسدية للضحايا، ويؤثر فى تماسك الأسرة والمجتمع.

توضح د. روحية مصطفى الجنش، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، أن مفهوم العنف الأسرى أوسع مما يتصور كثيرون، فهو لا يقتصر على الضرب، بل يمتد إلى الإهانة والتهديد والحرمان من الحقوق والضغط النفسى واستغلال الضعف والحاجة. وأضافت أن من أخطر صوره ما يمارسه بعض الأزواج تجاه زوجاتهم عندما يتحول الزواج من علاقة قائمة على السكن والمودة والرحمة إلى وسيلة للسيطرة والقهر.

وأوضحت أن الشريعة الإسلامية جعلت الزواج ميثاقًا غليظًا يقوم على الرحمة وحسن المعاشرة، مشيرة إلى أن التضييق على الزوجة فى النفقة أو تحميلها مسئوليات مالية ليست واجبة عليها، وترك الأبناء دون رعاية كافية، يُعد من صور الظلم والعنف الأسري. كما شددت على أن النفقة على الزوجة والأبناء واجب شرعى على الزوج بحسب قدرته، وليست منّة أو تفضلًا منه.. وأضافت أن الإيذاء النفسى من خلال التهديد والتحقير والتخويف يعد من أشكال العنف الخطيرة، وكذلك الإيذاء الجنسى الذى يقوم على الإكراه أو تجاهل ظروف الزوجة الصحية والنفسية، مؤكدة أن العلاقة الزوجية فى الإسلام تقوم على الاحترام والمودة ورفع الضرر، وليس على الإذلال أو القهر.

كما حذرت من العنف الاقتصادى الذى تتعرض له بعض النساء من خلال إجبارهن على تحمل نفقات الأسرة أو استنزاف أموالهن ورواتبهن، مؤكدة أن مساهمة المرأة فى الإنفاق تعد فضلًا منها، ولا يجوز أن تتحول إلى التزام يُفرض عليها أو وسيلة لإذلالها.

من جانبه، أكد د.عصام المغربى، خبير علم النفس السلوكي، أن العنف الأسرى من أكثر الانتهاكات تأثيرًا على النساء والأطفال، موضحًا أنه سلوك قائم على السيطرة والهيمنة داخل الأسرة، ويؤدى إلى آثار نفسية واجتماعية خطيرة. وأشار إلى أن الأطفال الذين ينشأون فى بيئات يسودها العنف يكونون أكثر عرضة للإصابة بالقلق والاكتئاب وضعف التحصيل الدراسى والمشكلات السلوكية، وقد يميل بعضهم إلى السلوك العدوانى أو إعادة إنتاج العنف فى مراحل لاحقة من حياتهم.

وأضاف أن النساء ضحايا العنف الأسرى يعانين من إصابات جسدية ونفسية متعددة، تشمل الاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة والعزلة الاجتماعية، فضلًا عن انخفاض الثقة بالنفس والشعور بالعجز والخوف المستمر.

وأوضح أن تأثيرات العنف لا تقتصر على الأفراد، بل تمتد إلى الأسرة بأكملها من خلال زيادة معدلات التفكك الأسرى والطلاق وانعدام الثقة والأمان بين أفرادها، فضلًا عن انتقال أنماط العنف إلى الأجيال التالية. كما يؤدى التوتر المستمر الناتج عن العنف إلى اضطرابات صحية مزمنة ومشكلات فى النوم والحياة الاجتماعية.

بدورها، أكدت جيهان بدر، واعظة بوزارة الأوقاف المصرية، أن الأسرة خُلقت لتكون مصدرًا للسكينة والأمان، وأن العنف يهدم هذه القيم ويحول البيت إلى بيئة للخوف والاضطراب. وأشارت إلى أن العنف ليس مجرد أذى جسدى أو لفظى عابر، بل اعتداء متكرر على كرامة الإنسان وحقه فى حياة آمنة ومستقرة..

وأضافت أن الشريعة الإسلامية حرصت على صيانة الكرامة الإنسانية، وجعلت الرحمة والإحسان أساس العلاقات الأسرية، مستشهدة بسيرة النبى صلى الله عليه وسلم التى قدمت نموذجًا راقيًا فى حسن المعاملة والرفق بأهل بيته..

وشددت على أن الدراسات النفسية تؤكد أن آثار العنف الأسرى تمتد لسنوات طويلة، حيث تؤثر فى شخصية الفرد وقدرته على بناء علاقات مستقرة، وقد تدفعه إلى تكرار السلوك العنيف مع الآخرين، مما يوسع دائرة المعاناة عبر الأجيال..

وأكدت أن مواجهة العنف الأسرى مسئولية مشتركة تبدأ بتصحيح المفاهيم الخاطئة، وتعزيز قيم الرحمة والحوار والاحترام داخل الأسرة، ونشر الوعى بحقوق جميع أفرادها. فالأسر لا تُبنى بالقهر أو التخويف، وإنما بالمودة والعدل والتفاهم، وهى الأسس التى تضمن استقرار المجتمع وأمنه على المدى الطويل.