عكس التيار

الطلاق فى زماننا

رضا هلال
رضا هلال


تربينا فى زمن مضى، وفى بيئة اجتماعية كانت ترى أن مجرد إظهار الزوجة غضبها على زوجها وتركها بيت الزوجية احتجاجًا على خلاف أو نزاع، يُعد من مظاهر سوء التربية وضعف التحمل وسوء الخلق. ولم يكن اللوم يقع على الزوجة وحدها، بل كان يمتد إلى أسرتها كلها.

وكان تكرار مثل هذه التصرفات يترك أثرًا سلبيًا على سمعة الأسرة فى محيطها الاجتماعى.

أما اليوم، فقد انقلب المشهد رأسًا على عقب. ومنذ تسعينيات القرن الفائت، ومع تصاعد الخطابات العالمية المتعلقة بقضايا المرأة والأسرة، واستضافة المؤتمرات الدولية التى أثارت جدلًا واسعًا حول مفهوم الأسرة وأدوار أفرادها، بدأت تظهر تحولات اجتماعية وثقافية عميقة انعكست على النظرة إلى الزواج والطلاق.

فبعد أن كان الطلاق حدثًا مؤلمًا تتعامل معه الأسر بكثير من الحزن والتحفظ، أصبحنا نشهد فى بعض الحالات مظاهر احتفاء تكاد تفوق احتفالات الزواج نفسه. بل إن الأبوين والأقارب قد يشاركون فى تنظيم ما يشبه «مراسم الطلاق»، وتُلتقط الصور، وتُنشر عبارات التهنئة، ويُقدَّم الانفصال أحيانًا بوصفه إنجازًا شخصيًا يستحق الاحتفاء.

وهذه ظاهرة تستحق دراسة متفحصة وعميقة، تتناول أبعادها الاجتماعية والدينية والاقتصادية والتشريعية والثقافية، ولا تغفل تأثير وسائل التواصل الاجتماعى، وكذلك أثر الاتفاقيات السيداوية، والرؤى الفكرية المختلفة المتعلقة بالأسرة والمرأة، وما إذا كانت قد ساهمت فى إعادة تشكيل الوعى المجتمعى تجاه مؤسسة الزواج.

وأعتقد أن العامل الاقتصادى الناتج عن الطلاق أصبح أحد أهم العوامل المؤثرة فى زيادة الظاهرة، داخل المجتمع المصرى، كما يتحدث بعض الباحثين عن ظاهرة أخرى لا تقل خطورة، هى ظاهرة «الطلاق الصامت»، وهذا له قصة أخرى.

وبين المشهدين مسافة شاسعة لا تعكس مجرد تغير فى العادات الاجتماعية، بل تكشف عن تحول عميق فى منظومة القيم والنظرة إلى الأسرة والزواج والاستقرار الأسرى، وهو تحول يستحق التأمل والمناقشة بعيدًا عن الشعارات والانفعالات، بحثًا عن التوازن الذى يحفظ كيان الأسرة من جهة، ويصون كرامة أفرادها وحقوقهم من جهة أخرى.