في عالم التصميم المعاصر، تتداخل الفنون مع الحرف التقليدية، واستطاعت المصممة الفلبينية ميري مونتيتشيلي أن تبتكر لغة بصرية خاصة بها تجمع بين الجمال والاستدامة والهوية الثقافية.
فمن داخل الاستوديو الخاص بها في مدينة ميلانو الإيطالية، تصنع وحدات إضاءة فريدة من ألياف نبات الموز، لتتحول المواد الطبيعية إلى أعمال فنية تبدو وكأنها كائنات حية تنشر الضوء والدفء داخل المساحات المختلفة.

اقرأ أيضا: لا ترميه بعد اليوم.. ما فوائد قشر الموز للمنزل والنباتات؟
- إضاءة تتجاوز الوظيفة إلى الفن
تبتكر ميري مونتيتشيلي وحدات إضاءة ذات طابع عضوي مميز، تذيب الحدود التقليدية بين النحت والتصميم الوظيفي، وتتميز أعمالها بأشكال انسيابية تتمايل مع الضوء، ما يمنحها حضورًا بصريًا أشبه بالكائنات الحية التي تنبض بالحركة والهدوء في آن واحد.
وتعتمد المصممة في تنفيذ هذه الأعمال على قماش "باناكا"، وهو نسيج يدوي يُنسج من ألياف نبات "أباكا" المعروف أيضًا باسم قنب مانيلا، وهو نبات ينتمي إلى عائلة الموز لكنه يُزرع خصيصًا لاستخراج أليافه الطبيعية المتينة وليس للاستفادة من ثماره.

- جذور فلبينية ورؤية إنسانية للمواد
تؤكد مونتيتشيلي أن نشأتها في الفلبين أسهمت في تكوين نظرتها الخاصة إلى المواد الطبيعية، إذ تعلمت التعامل معها باعتبارها عناصر حية تحمل قصصًا وذاكرة وهوية، وليست مجرد خامات يتم تشكيلها.
وترى أن الإبداع الحقيقي يقوم على احترام المادة والإصغاء إلى خصائصها الطبيعية والعمل معها بدلًا من فرض السيطرة عليها، وقد انعكس هذا المفهوم بوضوح على فلسفتها التصميمية التي تعتمد على المواد الطبيعية والعمليات الحرفية البطيئة التي تحترم الزمن والجهد الإنساني.

وتوضح أن أعمالها لا تقتصر على الجانب الجمالي فقط، بل ترتبط بأماكن حقيقية ومجتمعات منتجة وقصص إنسانية تمنح كل قطعة معنى يتجاوز الشكل الخارجي.
- سحر المواد الطبيعية
إلى جانب ألياف الموز، تنجذب المصممة إلى مختلف المواد الطبيعية التي تجمع بين القوة والرقة في الوقت نفسه، مثل الألياف النباتية والمنسوجات والأسطح العضوية التي تتفاعل مع الضوء وتتغير ملامحها بمرور الوقت.
وتعتبر أن جمال هذه المواد يكمن في أصالتها وعيوبها الطبيعية التي تعكس مصدرها الحقيقي، كما تمنح كل عمل شخصية فريدة لا يمكن تكرارها بشكل متطابق.
وتسعى باستمرار إلى اختيار مواد مرتبطة بجغرافيا ومجتمعات محددة، لأن هذا الارتباط الثقافي والإنساني يصبح جزءًا أساسيًا من هوية العمل الفني.

- رحلة طويلة تبدأ من المزارع
تكشف مونتيتشيلي أن علاقتها بألياف الأباكا بدأت منذ طفولتها من خلال والدتها التي عملت مع المجتمعات المنتجة لهذه المادة لأكثر من عشرين عامًا.
وكانت ترافقها إلى الجزر الفلبينية حيث شاهدت مراحل الإنتاج الأولى، بدءًا من حصاد النباتات واستخراج الألياف من السيقان، ثم تركها لتجف تحت الظروف الطبيعية.
ومن المشاهد التي ما زالت عالقة في ذاكرتها عملية فرز الألياف بحسب الجودة، وهي مرحلة دقيقة تحدد مصير المادة واستخداماتها اللاحقة.
وبعد الفرز، تُلف الألياف على هيئة بكرات قبل إرسالها إلى النسّاجين، حيث تبدأ عملية النسج اليدوي البطيئة على الأنوال التقليدية.
- من الفلبين إلى إيطاليا
بعد الانتهاء من عملية النسيج، تنتقل الأقمشة إلى استوديو مونتيتشيلي في إيطاليا، حيث تبدأ مرحلة جديدة من التحويل الإبداعي.
وتشمل هذه المرحلة قص النسيج وخياطته وإعادة تشكيله في أحجام نحتية مختلفة، ثم دمج العناصر التقنية الخاصة بالإضاءة واستكمال عمليات التركيب النهائية قبل تسليم القطعة أو تثبيتها في موقعها.
وتؤكد المصممة أن كل مرحلة من هذه المراحل تحافظ على خصوصية المادة الأصلية، وتسعى إلى إبراز خصائصها الطبيعية بدلًا من إخفائها.

- الضوء كلغة تصميمية
تعتبر مونتيتشيلي أن أعمالها متجذرة في "سردية المادة"، حيث تتعامل مع شفافية ألياف الموز وعدم انتظامها بوصفهما عنصرين أساسيين في بناء التجربة البصرية.
ومن خلال دراسة النسب والإيقاع وتوزيع الألياف، تنجح في خلق انتشار متناغم للضوء يمنح القطع طابعًا شاعريًا خاصًا.
وترى أن الألياف عندما تُعامل كعنصر معماري قادر على حمل الشكل وليس مجرد تغليفه، فإنها تتحول إلى لغة تصميمية راقية قادرة على إثارة المشاعر وخلق تواصل حسي مع المتلقي.
- وقت طويل لصناعة قطعة واحدة
تختلف مدة تنفيذ الأعمال بحسب طبيعتها وحجمها، إذ تستغرق القطع الدائمة ضمن مجموعاتها الفنية نحو ثمانية أسابيع في المتوسط.
أما المشاريع الخاصة والتركيبات الفنية الكبيرة فقد تمتد فترة إنجازها بين 12 و24 أسبوعًا، وقد تصل أحيانًا إلى ستة أشهر كاملة وفقًا لحجم المشروع ودرجة تعقيده.
وتوضح أن العمل مع المواد الطبيعية يتطلب وقتًا إضافيًا لاختبار العينات ودراسة مستويات الشفافية والمتانة وتطوير الأشكال بصورة تحترم خصائص المادة بدلاً من إجبارها على اتخاذ أشكال لا تناسب طبيعتها.

- تجربة حسية في أسبوع ميلانو للتصميم
خلال مشاركتها في أسبوع ميلانو للتصميم، قدمت مونتيتشيلي مشروعًا حمل اسم "Pleasure Garden"، سعت من خلاله إلى خلق تجربة حسية هادئة وسط الزخم الكبير الذي يشهده الحدث العالمي.
وأرادت أن يشعر الزوار بأنهم محاطون بمشهد مفعم بالسكينة، يتسلل فيه الضوء عبر الأشكال النسيجية بطريقة ناعمة، لتتولد مشاعر من الألفة والدهشة والراحة.
واعتمد المشروع على الجمع بين الضوء والملمس والفضول البصري، مع الحفاظ على حضور القصة الإنسانية الكامنة وراء المواد والأيدي التي صنعتها.
- إيطاليا.. مصدر إلهام لا ينضب
تستعيد مونتيتشيلي بداياتها المهنية عندما كانت تعمل في مكتب تصميم بالفلبين، حيث كانت تستمد معظم إلهامها من مدونات التصميم التي فتحت لها نافذة على العالم.

أما اليوم، وبعد تأسيس استوديوها الخاص في إيطاليا، فقد تغيرت مصادر الإلهام وأصبحت أكثر ارتباطًا بالتجارب الواقعية والاحتكاك المباشر بالناس والأماكن.
وترى أن الإفراط في الاعتماد على العالم الرقمي قد يؤدي إلى تكرار الأفكار بسبب تأثير خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي، لذلك تحرص على استكشاف العالم الحقيقي باستمرار.
وتؤكد أن العيش في إيطاليا يظل مصدر إلهام دائم بالنسبة لها، حيث يتجلى الجمال في العمارة والفنون والحياة اليومية، مشيرة إلى أن التحدي الأكبر لم يعد في العثور على الإلهام، بل في إيجاد الوقت الكافي لتحويله إلى أعمال إبداعية جديدة.

حبتان يوميا قد تدعمان صحة الغدة الدرقية.. تعرف على «ملك المكسرات»
بعد استقالة كير ستارمر.. لاري القط يتفوق على 6 رؤساء وزراء
خلف ستار «التوفير».. عادات مالية قد تدمر استقرارك المادي





