دينا الصاوي تكتب: عمر خيرت في لندن.. حين عزفت مصر مشاعرها أمام العالم

دينا الصاوي
دينا الصاوي


قليلون هم الفنانون الذين يستطيعون أن يجعلوا آلاف الأشخاص يصمتون في لحظة واحدة… ليس انبهارًا فقط، بل لأن كل شخص يكون منشغلًا بالشعور بشيء عميق بداخله، وهذا تحديدًا ما يفعله الموسيقار الكبير عمر خيرت.

فبمجرد أن تبدأ أول نغمة، يتحول المكان كله إلى حالة مختلفة… تهدأ الفوضى قليلًا، وتتحرك داخل الإنسان مشاعر كان يظن أنها اختفت أو نسيها مع الوقت.

الحفلة الأخيرة التي أحياها عمر خيرت في لندن لم تكن مجرد حفل موسيقي ناجح لفنان مصري عالمي، بل كانت مشهدًا يدعو للفخر الحقيقي.

أن ترى موسيقارًا مصريًا يقف بكل هذا الثقل والرقي أمام جمهور من جنسيات وثقافات مختلفة، ويستطيع أن يصل إليهم دون كلمة واحدة… فهذه ليست مجرد موهبة، بل قيمة فنية وإنسانية نادرة.

وربما هنا تكمن عبقرية عمر خيرت الحقيقية… أنه لا يقدم موسيقى تسمعها الأذن فقط، بل يقدم مشاعر كاملة يعيشها الإنسان.

فلماذا أحيانًا نبكي مع الموسيقى رغم عدم وجود كلمات؟

لأن بعض الأحاسيس أكبر من اللغة نفسها، هناك حنين لا نستطيع شرحه، وفقد لا نعرف كيف نحكيه، وتعب نفسي لا يخرج في صورة كلام… لكنه قد يخرج فجأة مع لحن صادق أو مقطوعة هادئة تلمس شيئًا حساسًا داخلنا.

ولهذا يشعر كثير من الناس أن موسيقى عمر خيرت تشبههم، تشبه لحظات ضعفهم، وذكرياتهم، واشتياقهم، وحتى لحظات السلام القليلة التي يبحثون عنها وسط ضجيج الحياة.

وفي رأيي، من أهم الأشياء التي يجب أن ننتبه لها اليوم، هي نوع الموسيقى التي تدخل بيوتنا وتصل إلى أولادنا، لأن الموسيقى ليست مجرد خلفية عابرة للحياة، بل شيء يشكل الذوق والمشاعر والحالة النفسية والهدوء الداخلي.

من الجميل أن يكبر الطفل وهو يعرف أن هناك موسيقى تهدئه وقت الغضب، أو تحتويه وقت الحزن، أو تمنحه راحة وسط الضغط والانفعال، أن يكون لديه لحن أو اثنان يعود إليهما كلما شعر بثقل الحياة.

فنحن لا نعلم أولادنا فقط القراءة والكتابة… بل نعلمهم أيضًا كيف يشعرون، وكيف يهدؤون، وكيف يحافظون على الجزء الإنساني بداخلهم، والموسيقى الراقية تفعل ذلك، فهي لا تصنع ضجيجًا بل تصنع إحساسًا، لا تسرق الإنسان من نفسه بل تعيده إليها.

وربما لهذا السبب تحديدًا، خرج كثيرون من تلك الليلة وهم لا يتذكرون فقط الموسيقى… بل يتذكرون ما شعروا به خلالها.

فبين أنامل عمر خيرت، وقيادة المايسترو المصري ناير ناجي للأوركسترا، تحولت الأمسية إلى تجربة إنسانية كاملة، أثبتت أن الفن الحقيقي لا يمر على القلب مرورًا عابرًا… بل يترك داخله أثرًا يبقى طويلًا.

فقد كان لقيادته الهادئة والراقية حضور واضح في تفاصيل هذه الليلة الاستثنائية، حيث نجح بحس موسيقي رفيع في أن يمنح كل مقطوعة روحًا أعمق وإحساسًا يصل للجمهور بكل صدق وجمال، في صورة تليق بقيمة الموسيقى المصرية أمام العالم.