كل يوم

«الإسكندرية الكوزموبوليتانية»

البدوى محمد
البدوى محمد


تؤكد الجغرافيا ويشهد التاريخ أن المدن الكبرى تُصنع بالأفكار التى تمنحها القدرة على تجاوز حدود الزمان والمكان، وإذا كانت مصر هبة النيل، فالإسكندرية هبة مصر للمتوسط، والمتوسط لمصر، ويقول شاعر الإسكندرية قسطنطين كفافيس: «لن تجد أرضا جديدة، ولن تجد بحرا آخر… فهذه المدينة ستلاحقك دائماً».

الإسكندرية حالة حضارية نادرة صاغها امتزاج الجغرافيا بالتاريخ والفكرة، وقبل أن يحملها الإسكندر الأكبر إلى واجهة العالم، كانت هناك راقودة؛ المدينة المصرية القديمة التى مثّلت الجسر الأول بين وادى النيل والبحر المتوسط، ومن هذه البذرة بدأت رحلة مدينة لم تنقطع عن إعادة تشكيل نفسها عبر العصور.

فوق أرضها تعاقب المصرى القديم، ثم اليونانى، ثم الرومانى، قبل أن تضيف لها الحضارة الإسلامية بعدا جديدا، وظل البحر ثابتاً رغم تقلب موجاته وشدة نواته، وكأنه شاهد على فكرة واحدة: أن الإسكندرية وُلدت على الاندماج لا العزلة، وعلى الحوار لا الانغلاق.

ولهذا لم تكن الكوزموبوليتانية السكندرية مجرد تعدد سكانى أو وجود جاليات مختلفة، بل حالة حضارية أعمق متمثلة فى قدرة المدينة على تحويل التنوع إلى وحدة إنسانية وإبداع مشترك؛ فالتعدد قد يوجد فى مدن كثيرة، لكن الكوزموبوليتانية هى ما يجعل هذا التعدد ينتج هوية لا فوضى، ومن موقعها على المتوسط كانت الإسكندرية نافذة مفتوحة للأفكار والتجارة والثقافات، وميناء للمحبة والسلام.

عرفت المدينة أن الميناء ليس معبراً للبضائع فقط، بل للأفكار أيضًا، لذلك تعايشت فيها اللغات والثقافات والأديان، وامتزجت المآذن بالكنائس، والمقاهى بالمسارح، دون أن تفقد المدينة توازنها أو هويتها؛ لتبرهن على أن الهوية القوية لا تنكسر بالاختلاف بل تزداد ثراءً به، لكن النصف الثانى من القرن العشرين حمل تحولات قاسية، خاصة بعد العدوان الثلاثى والتغيرات الاجتماعية والهجرة الواسعة؛ فتراجعت المظاهر التقليدية للكوزموبوليتانية، واختفت لغات وطبقات اجتماعية كاملة، وتغيرت ملامح المدينة تدريجيا.

ومع ذلك، لم يختفِ جوهرها؛ لأن المدن الكبرى تُقاس بذاكرتها لا بعدد سكانها فقط، وما زالت روح الإسكندرية حاضرة فى أحيائها المطلة على البحر، وفى حسها المدنى، وفى حضور رموزها الفنية والثقافية والعلمية، كما أصبحت مكتبة الإسكندرية الحديثة رمزا لإحياء فكرة المدينة كملتقى للمعرفة والحضارات، وإعادة إنتاج وصياغة عمقها الحضارى فى كل عصر.

ورغم انتقال مركز الحكم إلى القاهرة، بقيت الإسكندرية فى الذاكرة المصرية العاصمة الأولى، وفى الواقع العاصمة الثانية ومدينة البحر التى لم تتوقف عن القيام بدورها الثقافى والاقتصادى والرمزى على مر الزمان، ومدينة الخلود المتوسطى، وثالثة الحواضر التاريخية التى لم يهزمها الزمن كأثينا وروما.

إن ما يميز الإسكندرية أنها خلقت لتكون حالة دائمة من التفاعل الحضاري؛ فهى مصرية الجذور، متوسطية الروح، كوزموبوليتانية الهوية، تعيد إنتاج نفسها دون أن تفقد ذاتها.

باحث علوم سياسية