استخدم الطرفان التزييف العميق والرسائل النصية المزيفة، والدعاية عبر وسائل التواصل لنشر الذعر، وتضخيم الخسائر، وتشجيع الاحتجاجات الداخلية.
ظهرت كثير من الكتابات عن الإعلام والحرب النفسية، حيث تعد منصات الإعلام التقليدية مثل الصحف والتليفزيون والراديو، بالإضافة إلى وسائل التواصل الاجتماعى الحديثة، أدوات قوية للتأثير على الأفكار والعواطف والسلوكيات الجماعية. يعرف هذا التأثير بـ «الحرب النفسية»، التى أصبحت عنصرًا أساسيًا فى الصراعات المعاصرة.
تخوض الدول والجهات الفاعلة غير الدولية هذه الحرب من خلال الدعاية المنظمة، وإحباط المعنويات عبر عرض صور الضحايا، وزرع الفتنة الطائفية أو السياسية، وتضخيم المظالم الحقيقية أو المُصطنعة، وتعزيز الآراء المتطرفة، ونشر عدم الثقة فى الحكومات، بل وتجنيد العملاء والمؤيدين. وفى عصرنا الرقمى، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى ساحة المعركة الرئيسية، حيث استخدمت جماعات مثل داعش والقاعدة سابقًا هذه المنصات لنشر الرعب والتجنيد، وتطورت اليوم إلى أدوات متقدمة تشمل: الذكاء الاصطناعى والتزييف العميق.
فى هذا السياق، انتشرت على نطاق واسع نظرية حروب الجيل الرابع (4GW)، التى ظهرت فى أواخر الثمانينيات كوسيلة لفهم الطبيعة المتغيرة للحرب فى عصر المعلومات. وتمثل هذه النوعية من الحروب شكلًا من أشكال الصراع يطمس الخطوط الفاصلة بين الحرب والسياسة، والمقاتلين والمدنيين. ويستهدف فيها الخصم المدنيين مباشرة أو يستخدمهم كبيادق لزرع الفوضى وتقويض إرادة العدو فى القتال. وعلى عكس الحروب التقليدية بين الدول ذات الجيوش النظامية، تكون حرب الجيل الرابع غير مركزية وغير متناظرة، ولا تخوضها الدول فقط، بل تشمل جهات فاعلة غير حكومية مثل: المتمردين والإرهابيين والميليشيات.
تعتمد على تكتيكات حرب العصابات، والإرهاب، والهجمات الإليكترونية، مع التركيز الشديد على تكنولوجيا المعلومات لنشر الدعاية، وتجنيد المقاتلين، وتعطيل قيادة العدو وسيطرته. وغالبًا ما تكون الدوافع أيديولوجية أو دينية أو ثقافية أكثر منها إقليمية بحتة، فيركز على التأثير على «قلوب وعقول» الناس بدلًا من الهزيمة العسكرية التقليدية. وتلعب المعلومات والإعلام دورًا حاسمًا، حيث يستخدم الطرفان الدعاية والتضليل لكسب الدعم الداخلى والدولى وإحباط الخصم. تستمر هذه الصراعات لسنوات أو عقود، عبر اشتباكات منخفضة الكثافة بدلًا من المعارك العسكرية الحاسمة.
وتعد حرب إيران وأمريكا أو حرب 2026 نموذجًا متفردًا ومتطورًا لحروب الجيل الرابع. وبدأت فى 28 فبراير 2026 وشملت ضربات جوية مكثفة على منشآت عسكرية ونووية إيرانية، واغتيال قيادات عليا بما فى ذلك المرشد الأعلى على خامنئى. ولم تقتصر على الجانب العسكرى التقليدى، بل امتدت إلى مجالات متعددة متداخلة كالفضاء الإليكترونى، والدعاية والإعلام، والمعلومات، والاقتصاد، والخطابات السياسية.
فى الجانب العسكرى غير المتناظر، اعتمدت إيران على وكلائها فى «محور المقاومة» (حزب الله، الحوثيين، الميليشيات العراقية)، وهجمات صاروخية وطائرات مُسيّرة على قواعد أمريكية وإسرائيلية ودول خليجية. كما أغلقت مضيق هرمز، مما أدى إلى تعطيل نحو 20-25% من تجارة النفط العالمية، وهو تكتيك اقتصادى-عسكرى كلاسيكى يستهدف الاقتصاد العالمى لإجبار الخصم على التنازل. وردت الولايات المتحدة بحصار بحرى ومزيد من الضربات، لكن الصراع بقى بعيدًا عن احتلال أرضى واسع، مفضلًا الضغط غير المباشر والمفاوضات الطويلة !!.
ومن أبرز مظاهر حرب 2026 هو الحرب السيبرانية والنفسية، حيث شنت إيران ووكلاؤها هجمات إليكترونية على بنى تحتية أمريكية وخليجية، كما استخدم الطرفان التزييف العميق والرسائل النصية المزيفة، والدعاية عبر وسائل التواصل لنشر الذعر، وتضخيم الخسائر، وتشجيع الاحتجاجات الداخلية. كما ركزت الولايات المتحدة وإسرائيل بشكل كبير على تعطيل الاتصالات الإيرانية، وشن حملات معلوماتية لتقويض شرعية النظام، ودعم معارضين مُحتملين.
وتجسد حرب إيران وأمريكا حالة متقدمة من حروب الجيل الرابع، حيث أصبحت ساحة المعركة شاملة، من الفضاء الخارجى إلى الهواتف الذكية. وهنا النجاح لا يقاس بعدد الصواريخ او الطائرات المدمرة، بل بقدرة كل طرف على الصمود النفسى، والحفاظ على الدعم الشعبى، والتأثير على الرأى العام العالمى. ومن المتوقع، مع تطور التكنولوجيا، أن تصبح مثل هذه الصراعات النمط السائد، مما يتطلب استراتيجيات دفاعية جديدة تركز على المرونة، الوعى الرقمى، والصمود الاجتماعى. فى هذا السياق تساعد حرب 2026 الخبراء والاستراتيجيين على بلورة نظرية حروب الجيل الرابع وتطويرها فى ضوء مجريات الأحداث ونتائج الصراع، خاصة فى ظل الغموض الاستراتيجى والإنكار المُتبادل مما يجعل من الصعب على الخصوم تحديد مصدر الهجمات أو عمليات التأثير ويعقد استراتيجيات الاستجابة الخاصة بهم.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







