أعادت بيانات التضخم الأخيرة فى مصر فتح النقاش حول المسار الفعلى للاقتصاد، بعدما أظهرت تباطؤًا نسبيًا فى معدلات ارتفاع الأسعار خلال الأشهر الأخيرة. ورغم أن هذه التطورات تمنح السياسة النقدية مساحة من الارتياح المؤقت، فإن اختزال المشهد الاقتصادى فى مجرد تراجع رقمى للتضخم قد يكون قراءة غير مكتملة لواقع أكثر تعقيدًا.
ففى كثير من الاقتصادات الناشئة، لا يعنى تباطؤ التضخم بالضرورة تحسن القوة الشرائية أو استعادة النشاط الاقتصادى لعافيته، بل قد يعكس أحيانًا تراجعًا حادًا فى الطلب الكلى نتيجة إنهاك المستهلك وتآكل الدخول الحقيقية.. وهنا يصبح من الضرورى التمييز بين تراجع التضخم الناتج عن تحسن جانب الإنتاج والعرض، وبين ما يمكن وصفه بـ«انكماش الطلب القسرى»، حيث تنخفض وتيرة ارتفاع الأسعار لأن المستهلك ببساطة لم يعد قادرًا على الإنفاق بالمعدلات السابقة.
هذه النقطة تحديدًا تفرض إعادة النظر فى كيفية قراءة المؤشرات التضخمية. فالتضخم الأساسى، رغم أهميته فى قياس الاتجاهات طويلة الأجل للأسعار، يستبعد مكونات تمثل العبء الأكبر على المواطن مثل الغذاء والطاقة، أما التضخم العام، فرغم قربه من الواقع المعيشى، فإنه يتأثر بعوامل موسمية وتغيرات مؤقتة قد تخلق صورة مضللة نسبيًا عن الاتجاه الحقيقى للأسعار.
كما أن قياس التضخم ذاته لا يخلو من إشكاليات منهجية معروفة فى الأدبيات الاقتصادية، مثل تحيز سنة الأساس، وتغير أنماط الاستهلاك، واتجاه الأسر إلى استبدال السلع الأعلى تكلفة ببدائل أقل جودة. وهذه التحولات قد تُظهر تباطؤًا فى التضخم بينما يكون المستوى الفعلى للرفاهة الاقتصادية قد تراجع بصورة أكبر.
وتبدو هذه الإشكالية أكثر وضوحًا فى الاقتصادات التى تمر ببرامج تصحيح هيكلى وتشديد نقدى حاد، حيث غالبًا ما يظهر التراجع المؤقت للتضخم بالتزامن مع انكماش القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة. وقد شهدت تجارب مثل تركيا والأرجنتين أن انخفاض بعض المؤشرات التضخمية لفترات محدودة لم يمنع عودة الضغوط السعرية لاحقًا بمجرد انتقال آثار ارتفاع التكاليف إلى باقى قطاعات الاقتصاد.
فجزء معتبر من التضخم الحالى فى مصر لا يرتبط بزيادة الطلب بقدر ما يرتبط بما يُعرف بـ«تضخم التكاليف». فارتفاع أسعار الطاقة والكهرباء والخدمات الأساسية لا يتوقف أثره عند المستهلك النهائى، بل يمتد إلى تكاليف النقل والإنتاج والتخزين والتوزيع، بما يخلق موجات متتالية من الضغوط السعرية عبر مختلف الأنشطة الاقتصادية.
ويمثل هذا النوع من التضخم تحديًا أكثر تعقيدًا أمام صانع السياسة الاقتصادية، لأنه يضغط على جانب العرض والإنتاج فى الوقت نفسه، ويضعف القدرة التنافسية للصناعة المحلية، خاصة فى الاقتصادات التى تعتمد بدرجات مرتفعة على المكونات المستوردة ومدخلات الإنتاج الخارجية.. ولهذا السبب، لا يزال البنك المركزى يتعامل بحذر مع فكرة التيسير النقدى السريع، رغم التحسن النسبى فى مؤشرات التضخم. فاستقرار الأسعار لا يزال هشًا وقابلًا للارتداد فى أى لحظة إذا تعرض الاقتصاد لصدمات جديدة مرتبطة بأسعار الطاقة أو تحركات سعر الصرف أو اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
كما أن التوترات الجيوسياسية الإقليمية تضيف طبقة إضافية من عدم اليقين، خاصة فى ظل التأثير المباشر لاضطرابات التجارة والطاقة على الاقتصادات المستوردة مثل الاقتصاد المصرى.
ومن هنا، تبدو معضلة أسعار الفائدة أكثر تعقيدًا من مجرد الموازنة التقليدية بين النمو والتضخم. فخفض الفائدة قد يخفف جزءًا من أعباء التمويل على القطاعين الحكومى والخاص، لكنه فى المقابل قد يقلل جاذبية أدوات الدين المحلية أمام المستثمرين الأجانب، خاصة فى ظل اعتماد جزء من تدفقات النقد الأجنبى على استثمارات قصيرة الأجل شديدة الحساسية لتحركات الأسواق العالمية.
وتبرز هذه الإشكالية بوضوح مع التراجع الملحوظ فى صافى الأصول الأجنبية لدى الجهاز المصرفى خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما يعكس هشاشة أى استقرار نقدى يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات المحافظ المالية والأموال الساخنة. فالتجارب الاقتصادية الحديثة أثبتت أن التدفقات قصيرة الأجل قادرة على دعم الاستقرار سريعًا، لكنها أيضًا قادرة على مغادرته بالسرعة نفسها عند تغير اتجاهات المستثمرين أو تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
ومن ثم، تبدو السياسة النقدية فى المرحلة المقبلة أقرب إلى نموذج «الحذر الانتقائى»، أى خفض تدريجى ومدروس للفائدة دون الدخول فى دورة تيسير واسعة قد تعيد الضغوط إلى سوق الصرف والاحتياطيات الأجنبية.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







