بكين - موسكو .. قمة ترسيخ التحالف ومواجهة التحولات الدولية

جانب من استقبال الرئيس الصينى لنظيره الروسى
جانب من استقبال الرئيس الصينى لنظيره الروسى


مــروى حـسـن
 

فى توقيت بدا محسوبًا بدقة، جاءت زيارة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين إلى الصين بعد أيام قليلة فقط من زيارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى بكين، لتفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول الرسائل السياسية الكامنة خلف هذا التحرك الروسي، وأهدافه الحقيقية فى ظل التحولات المتسارعة التى يشهدها النظام الدولي.

الزيارة لم تكن مجرد محطة بروتوكولية فى إطار العلاقات التقليدية بين موسكو وبكين، بل بدت أقرب إلى إعادة تموضع استراتيجى يعكس إدراك روسيا لحجم التغيرات الجارية فى العلاقة بين الصين والولايات المتحدة، ومحاولة موسكو تثبيت موقعها داخل معادلة القوى الكبرى قبل أن تتبلور تفاهمات جديدة قد تؤثر على توازنات النفوذ العالمية.

أحد أبرز دوافع الزيارة يتمثل فى حرص روسيا على تأكيد متانة شراكتها مع الصين، خاصة بعد الأجواء التى أحاطت بزيارة ترامب إلى بكين، والتى حملت مؤشرات على سعى واشنطن لفتح قنوات أكثر استقرارًا مع القيادة الصينية. فموسكو تدرك أن أى تقارب أمريكى- صينى، حتى وإن كان محدودًا، قد ينعكس على موقعها الاستراتيجي، خصوصًا فى ظل اعتمادها المتزايد على الصين اقتصاديًا وسياسيًا منذ اندلاع الحرب الأوكرانية. لذلك جاءت زيارة بوتين بمثابة رسالة واضحة بأن العلاقات الروسية- الصينية لا تزال راسخة وتتجاوز الحسابات الظرفية.

كما حملت الزيارة بعدًا اقتصاديًا بالغ الأهمية، إذ تسعى موسكو إلى تعزيز تعاونها مع بكين فى مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار، خاصة مع استمرار العقوبات الغربية المفروضة على روسيا. وتشير التقارير إلى أن ملفات الغاز والنفط كانت فى صدارة المباحثات، وعلى رأسها مشروع خط أنابيب «قوة سيبيريا 2»، الذى يمثل بالنسبة لروسيا منفذًا استراتيجيًا لتعويض خسائر الأسواق الأوروبية، بينما يمنح الصين مصدرًا بريًا آمنًا للطاقة بعيدًا عن التوترات البحرية فى الشرق الأوسط. كما ترى روسيا أن التقارب مع الصين يمنحها مساحة أوسع لمواجهة الضغوط الغربية فى ملفات مثل إيران وأسواق النفط وأمن الممرات البحرية.

الجانب الأمنى كان حاضرًا بقوة أيضًا، إذ ناقش الجانبان تطورات الأوضاع الدولية، بما فى ذلك الحرب فى أوكرانيا، والتوترات فى الشرق الأوسط، وأزمات سلاسل الإمداد والطاقة. وفى هذا السياق، تحاول موسكو وبكين تعزيز التنسيق بينهما باعتبارهما قوتين تواجهان ضغوطًا أمريكية وغربية متزايدة، وتسعيان إلى بناء نظام دولى متعدد الأقطاب يقلص من الهيمنة الأمريكية التقليدية.

الجانب العسكرى حمل هو الآخر دلالات مهمة، خاصة مع استمرار المناورات المشتركة والتنسيق الأمنى بين البلدين فى مناطق مختلفة، من المحيط الهادئ إلى القطب الشمالي. ورغم أن الطرفين يتجنبان الإعلان عن تحالف عسكرى رسمي، فإن مستوى التعاون الدفاعى المتنامى يعكس وجود تقارب استراتيجى يهدف إلى توجيه رسائل ردع للولايات المتحدة وحلف الناتو، خصوصًا فى ظل تصاعد التوتر حول تايوان وأوروبا الشرقية.

ومن بين الرسائل غير المباشرة للزيارة أيضًا، إظهار أن الصين قادرة على إدارة علاقات متوازنة مع كل من واشنطن وموسكو فى الوقت نفسه، دون أن تضطر للاختيار بين الطرفين. فبكين استقبلت ترامب ثم بوتين خلال فترة زمنية قصيرة، فى مشهد يعكس سعيها لتكريس نفسها كقوة مركزية لا يمكن تجاوزها فى أى ترتيبات دولية مقبلة. هذا التسلسل الزمنى منح الصين صورة الدولة التى تمتلك القدرة على التواصل مع جميع الأقطاب المتنافسة، بينما منح روسيا فرصة للتأكيد بأنها لا تزال شريكًا استراتيجيًا أساسيًا لبكين.

كذلك أرادت موسكو من خلال الزيارة توجيه رسالة للغرب بأنها لم تُعزل دوليًا رغم العقوبات والحرب، وأن لديها حليفًا قويًا يتمتع بثقل اقتصادى وسياسى عالمي. ولهذا شهدت الزيارة توقيع عشرات الاتفاقيات الثنائية، إضافة إلى التأكيد على تمديد معاهدة الصداقة والتعاون بين البلدين، وهى خطوات تعكس رغبة الطرفين فى إضفاء طابع مؤسسى طويل المدى على شراكتهما.

ورغم التصريحات الرسمية التى شددت على أن التعاون الروسى- الصينى «لا يستهدف أى طرف ثالث»، فإن توقيت الزيارة ومضمونها السياسى يعكسان بوضوح وجود قلق مشترك لدى موسكو وبكين من الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، خاصة مع محاولات واشنطن إعادة ترتيب تحالفاتها الدولية واحتواء النفوذ الصينى والروسى فى آن واحد. لذلك يمكن النظر إلى زيارة بوتين باعتبارها جزءًا من سباق دبلوماسى عالمى لإعادة رسم موازين القوى خلال المرحلة المقبلة.

وفى ضوء كل هذه المعطيات، يبدو أن زيارة بوتين، لم تكن إلى الصين مجرد تحرك دبلوماسى عابر بعد زيارة ترامب، بل مثلت محاولة روسية لتثبيت التحالف مع بكين، وحماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية لموسكو، وإرسال رسائل متعددة الاتجاهات إلى واشنطن والغرب. كما عكست الزيارة إدراكًا روسيًا بأن مستقبل التوازنات الدولية سيتحدد بدرجة كبيرة داخل المثلث المعقد الذى يضم الولايات المتحدة والصين وروسيا، وأن أى تغير فى العلاقة بين طرفين من هذا المثلث ستكون له انعكاسات مباشرة على الطرف الثالث.