هناك أسئلة مشروعة تراود المواطن المصرى يوميًا: هل نجح الجهاز الإدارى للدولة فعلًا فى التغيير والتطوير خلال السنوات الأخيرة؟
الغريب والمقلق فى آن واحد، أنك إذا بحثت بجدية لن تعثر على خطة تطوير واضحة ومعلنة للرأى العام، كما لن تجد تحديدًا حاسمًا للمسئول المباشر عن تطوير الجهاز الإدارى للدولة هل تقع المسئولية على وزارة التخطيط؟ أم وزارة التنمية المحلية؟ أم جهات أخرى أُنشئت تحت عناوين متعددة؟
هذا الغموض فى حد ذاته يمثل إحدى أزمات الإدارة المحلية فى مصر، لأن أولى قواعد الإصلاح الحقيقى تبدأ من وضوح المسئولية والمحاسبة.
ورغم التوسع فى إطلاق المنصات الرقمية وميكنة الخدمات، لا يزال المواطن يصطدم يوميًا بواقع مختلف، فالمواطن لا يقيس نجاح التطوير بعدد التطبيقات الذكية أو المنصات الإلكترونية، بل بسهولة الحصول على الخدمة، وسرعة إنهاء الإجراءات، واحترام وقته وكرامته داخل المؤسسات الحكومية.
المشكلة لم تعد فى غياب الحديث عن التطوير، بل فى الفجوة الواسعة بين ما يُعلن من إصلاحات إدارية وما يعيشه المواطن فعليًا داخل بعض الجهات الحكومية، حيث لا يزال كثيرون عالقين فى ممرات البيروقراطية، ينتقلون من مكتب إلى آخر بحثًا عن حق أو خدمة يفترض أنها حق أصيل يكفله القانون والدستور.
ورغم ما شهدته الدولة من جهود فى ملف التحول الرقمى وإطلاق منصات حديثة مثل بوابة مصر الرقمية، فإن المواطن لا يزال فى أحيان كثيرة يواجه إجراءات طويلة، وتعدد جهات، وتضارب اختصاصات، وتأخيرًا لا يدفع المواطن وحده ثمنه، بل يدفع الاقتصاد الوطنى أيضًا فاتورة هذا التعطيل عبر إبطاء الاستثمار والإنتاج والخدمات.
فهل الأزمة فى نقص التكنولوجيا بالتأكيد لا، فالمنصات موجودة، والبنية التكنولوجية تتوسع، لكن الأزمة الحقيقية تكمن فى استمرار الفكر الإدارى القديم، حيث لم تنجح الأدوات الحديثة حتى الآن فى إنهاء عقلية «فوت علينا بكرة»، أو ثقافة التهرب من المسئولية، أو تحويل المواطن إلى طرف يتحمل نتائج التعقيد الإدارى.
ولا تزال كثير من الأزمات ناتجة عن تداخل الاختصاصات بين الجهات المختلفة، وتعدد الموافقات المطلوبة، وغياب الوضوح فى المسئوليات، وهو ما يجعل المواطن يدور أحيانًا فى حلقة مفرغة لإنهاء إجراء واحد، وكأن التكنولوجيا أصبحت مجرد شاشة حديثة تخفى خلفها نفس الدفاتر القديمة. وعندما ننظر إلى التجارب الدولية التى نجحت فى تحقيق قفزات اقتصادية وإدارية كبرى، نجد أن البداية الحقيقية لم تكن التكنولوجيا وحدها، بل فى ثورة إدارية وتغيير جذرى تبدأ من تبسيط الإجراءات، وتقليل مستويات اتخاذ القرار، وربط المؤسسات ببعضها، ووضع المواطن فى قلب المنظومة باعتباره صاحب حق لا طالب خدمة.
ومع مناقشات قانون الإدارة المحلية الجديد داخل مجلس النواب المصرى، تصبح الفرصة قائمة لإعادة توزيع الاختصاصات، وتقليل المركزية، ومنح الإدارات المحلية صلاحيات أوسع تُسهم فى تسريع الخدمات وتقليل التعقيدات اليومية.
فالدولة القوية لا تُقاس بعدد المنصات والتطبيقات، بل بقدرتها على بناء جهاز إدارى عادل وفعّال، يشعر المواطن داخله بالاحترام والإنصاف، لا بالضغوط والتعقيد. وسيظل المواطن هو المعيار الحقيقى لنجاح أى إصلاح، لأنه الطرف الذى يتحمل النتائج يوميًا فى وقته، وعمله، وأعصابه، وحياته.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







