هناك لحظات في العمر لا يمكن وصفها مهما امتلك الإنسان من الكلمات، لحظات لا تُكتب بالحبر، بل تُحفر في القلب إلى الأبد.
وأظن أن أول نظرة للكعبة واحدة من تلك اللحظات.
طوال سنوات عمري كنت أرى المسجد الحرام عبر شاشات التلفزيون، في نشرات الأخبار، وفي دعوات الأمهات، وفي دموع الحجاج العائدين وهم يحكون عن “الرهبة” التي لا تشبه أي رهبة أخرى. كنت أستمع، وأتخيل، وأظن أنني فهمت. لكن الحقيقة أن مكة لا تُفهم من بعيد، ولا تُحكى، بل تُعاش.
حين اقتربت خطواتي من الحرم لأول مرة، كان قلبي يسبقني. كل شيء حولي كان مختلفًا؛ الوجوه، الأصوات، التكبيرات، حتى الهواء نفسه بدا كأنه محمّل بشيء من السكينة لا يوجد في أي مكان آخر على الأرض.
ثم جاءت اللحظة.
لحظة انكشاف الكعبة أمام عيني لأول مرة.
لا أعرف ماذا حدث تحديدًا. لم أبكِ فورًا كما كنت أتصور، ولم أرفع يدي مباشرة بالدعاء. فقط شعرت أن العالم كله توقف للحظة. شعرت بصمت داخلي هائل، كأن قلبي يحاول استيعاب ما تراه عيناي. الكعبة ليست مجرد بناء أسود كما تبدو في الصور، بل حضور مهيب لا يشبه شيئًا آخر. تشعر أمامها أنك صغير جدًا، وضعيف جدًا، وقريب جدًا من الله في الوقت نفسه.
تذكرت أبي وأمي، وكل من أحببتهم، وكل دعوة أخفيتها سنوات طويلة. تذكرت أخطائي، وخوفي، وأحلامي، وكل الأشياء التي حملتها فوق كتفي طوال العمر. هناك، أمام الكعبة، تسقط الأحمال فجأة دون أن تشعر.
بدأت الطواف وأنا أنظر إليها في كل شوط كأنني أراها للمرة الأولى من جديد. ملايين البشر يتحركون حول بيت واحد، بألوان ولغات وجنسيات مختلفة، لكن القلوب كلها تتجه إلى مكان واحد. مشهد لا يمكن أن تراه دون أن تدرك معنى أن هذه الأمة ما زالت حية.
وفي السعي بين الصفا والمروة، شعرت لأول مرة أن الشعائر ليست حركات محفوظة، بل حكايات إيمان ممتدة عبر الزمن. كنت أسير مستحضرًا صورة السيدة هاجر تركض بقلب أم، تبحث عن الماء لطفلها، فإذا بالله يفتح زمزم إلى يوم القيامة. هنا فقط تفهم كيف تتحول المعاناة إلى يقين، وكيف يصبح التعب عبادة.
ورغم الزحام والإرهاق وحرارة الجو، كان هناك سلام داخلي غريب. سلام يجعلك تتجاوز كل شيء. كأن مكة تعيد ترتيب روحك من الداخل دون أن تشعر.
الآن، وأنا أستعد للحج، أشعر أن الرحلة الحقيقية لم تبدأ بعد. العمرة كانت الباب، أما عرفات فهو الموعد الأكبر. الجميع هنا يتحدث عن يوم عرفة وكأنه شيء خارج حدود الزمن؛ يوم تتخفف فيه الأرواح من أثقالها، ويقف البشر جميعًا في مكان واحد، لا فرق بين غني وفقير، ولا مسؤول وبسيط، فقط عباد جاءوا إلى الله بقلوبهم.
وأنا أكتب هذه الكلمات، أدرك أنني لن أعود كما كنت قبل مكة. هناك أماكن تغيّر الإنسان دون ضجيج، ومكة واحدة منها. تعلمك أن الطمأنينة ليست في امتلاك الدنيا، بل في لحظة صدق بينك وبين الله.
أما أول نظرة للكعبة..
فهي فعلًا لا تشبه شيئًا.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







