ياسر عبد العزيز يكتب: رصاصة «جوهر - أبوريدة» تنسف الأبواب الخلفية للفساد

ياسر عبد العزيز
ياسر عبد العزيز


فى كرة القدم، لا تبدأ الكوارث دائمًا من خطأ حارس مرمى، ولا تنتهى دائمًا عند صافرة حكم..أحيانًا تبدأ الحكاية من ورقة..ورقة صغيرة موضوعة فوق مكتب هادئ، لكنها قادرة وحدها على هزّ منظومة كاملة اعتادت أن تمشى بالذاكرة أكثر مما تمشى بالقانون.

لأن أخطر ما يصيب أى مؤسسة ليس الفساد الصريح فقط… بل ذلك النوع الناعم من الفوضى..الفوضى التى تدخل بهدوء شديد، حتى تصبح جزءًا من الديكور، ثم يكبر الجميع وهم يظنون أنها «الطبيعي»..وهكذا عاشت الكرة المصرية سنوات طويلة..

أبواب تُفتح للبعض دون تفسير واضح، وكيانات تظهر فجأة داخل المشهد، ومسافات رمادية واسعة بين «المسموح» و«المعتاد»، حتى بدا السؤال عن القانون أحيانًا وكأنه نوع من السذاجة أو المبالغة..لكن كل منظومة، مهما اعتادت الضباب، تصل يومًا إلى لحظة لا يمكن بعدها تأجيل الحقيقة..وهنا ظهرت قصة «أورانج».. فى الظاهر، مجرد أزمة تخص نادٍ يشارك فى دورى القسم الثالث..لكن فى العمق، كانت القضية أكبر بكثير من جدول مباريات أو لائحة مسابقات..كانت مواجهة بين فكرتين كاملتين..

فكرة قديمة تقول إن الواقع أهم من النصوص، وأن ما استمر لسنوات يصبح شرعيًا بالتقادم الإداري، حتى لو كانت البداية نفسها محل سؤال.. وفكرة أخرى أكثر صرامة، تقول إن القانون لا يعترف بالعواطف، ولا يقيس الأمور بعدد السنوات، بل بطريقة الدخول من الأصل..

وحين تحرك اتحاد الكرة برئاسة المهندس هانى أبو ريدة، لم يكن يرسل خطابًا عاديًا إلى وزارة الشباب والرياضة، بل كان يفتح بابًا ظل مغلقًا طويلًا داخل الكرة المصرية.. باب الأسئلة الثقيلة. من سمح؟ ومن وافق؟.. ومن راقب؟ وهل كانت قواعد اللعبة تُطبق فعلًا على الجميع بنفس الدرجة؟ لأن الأزمة لم تكن فقط فى مشاركة نادٍ من عدمها، بل فى ذلك الشعور القديم الذى تسلل إلى عظام الرياضة المصرية لسنوات: أن بعض الملفات يمكنها دائمًا أن تجد بابًا جانبيًا للعبور.

ثم جاء الرد. .وزارة الشباب والرياضة بقيادة الوزير جوهر نبيل لم تذهب هذه المرة إلى المنطقة الرمادية المعتادة، ولم تختبئ خلف الصياغات الدبلوماسية الطويلة التى تُقال كثيرًا ولا تغيّر شيئًا..القرار خرج واضحًا كطلقة مستقيمة:

لا أحقية للمشاركة دون استيفاء الاشتراطات القانونية.. واستبعاد اورانج والتحقيق فورا لمعرفة المتورطين فى المخالفة وكشف أسمائهم ..وفى لحظة واحدة، بدا وكأن رصاصة إدارية خرجت من قلب الدولة لتصيب شيئًا أقدم وأعمق من مجرد مخالفة..أصابت «الجبلاية القديمة» نفسها.. تلك الثقافة التى اعتادت إدارة الملفات بمنطق التأجيل، أو التفسير المرن، أو الحلول التى تُولد داخل المكاتب أكثر مما تُولد داخل اللوائح..لأن القضية هنا لم تكن اسم نادى فقط، بل طريقة إدارة كاملة ظلت لسنوات تتحرك بين المجاملة والصمت والاعتياد.. ولهذا، لم يكن القرار مجرد استبعاد محتمل لفريق، بل إعلانًا عن زمن مختلف..زمن لا تكفى فيه العلاقات.. ولا تنفع فيه المجاملات..ولا تصبح فيه الأبواب الخلفية طريقًا شرعيًا إلى المنافسة.. زمن يُسأل فيه الجميع السؤال البسيط الذى تخشاه المؤسسات المرتبكة دائمًا: «أين الترخيص؟»

لكن الحقيقة دائمًا لها عادة قديمة..أنها قد تتأخر طويلًا، لكنها حين تصل، لا تصل هامسة..ولهذا، بدا بيان وزارة الشباب والرياضة وكأنه «بيان مكاشفة» متأخر لكرة مصر كلها..بيان يقول، دون أن يصرخ، إن سنوات كاملة مرت بينما كانت بعض الكيانات تتحرك أسرع من اللوائح، وبعض الملفات تُدار بمنطق الأمر الواقع أكثر مما تُدار بمنطق القانون..وكأن الدولة قررت أخيرًا أن تنظر فى المرآة دون أى محاولة للتجميل..فالأزمات الكبرى لا يصنعها المخالف وحده..

بل يصنعها أيضًا ذلك الصمت الطويل الذى يسمح للمخالفة أن تكبر حتى تبدو وكأنها أمر طبيعي.
ولهذا جاءت الرصاصة هذه المرة مختلفة.. لم تُطلق على نادٍ بعينه، ولا على أشخاص بأسمائهم، بل أُطلقت فى صدر «الفكرة القديمة» نفسها.. فكرة أن كل شيء يمكن تمريره إذا مرّ عليه الوقت الكافي..

أن الاعتياد أقوى من النصوص..وأن المكاتب المغلقة تستطيع دائمًا صناعة واقع موازٍ للقانون..لكن يبدو أن زمن «التعايش مع الخطأ» يقترب أخيرًا من نهايته..

هانى أبو ريدة فتح الملف الذى ظل طويلًا مؤجلًا، وجوهر نبيل أغلق باب التأويل بقرار واضح لا يعرف المناطق الرمادية..ولهذا، لم تعد القصة «أورانج ضد سمارت..بل أصبحت لحظة فاصلة بين عصرين: عصر كانت فيه الأندية تُسأل أحيانًا عن النتائج فقط… وعصر جديد تُسأل فيه أولًا: من أنت؟.. وكيف دخلت؟.. وهل تملك حق الوجود من البداية؟.. وفى كرة القدم، كما فى الحياة، لا تأتى اللحظات الفارقة دائمًا وسط صخب الجماهير.

أحيانًا تأتى فى بيان رسمى هادئ.. لكنه يحمل بين سطوره صوتًا يشبه الطلقة الأخيرة.. طلقة لم تقتل ناديًا..بل قتلت سنوات طويلة من الأبواب الخلفية.