فرنسا ــ إفريقيا.. قمة عصر «الشراكات السيادية»

الرئيس عبدالفتاح السيسى مع نظيره الفرنسى خلال المشاركة فى قمة أفريقيا فرنسا
الرئيس عبدالفتاح السيسى مع نظيره الفرنسى خلال المشاركة فى قمة أفريقيا فرنسا


استضافت العاصمة الكينية نيروبى خلال يومى الإثنين والثلاثاء الماضيين، قمة أفريقيا فرنسا التى رفعت شعار «قمة أفريقيا إلى الأمام»، بمشاركة أكثر من 30 رئيس دولة وحكومة أفريقية، إلى جانب مؤسسات مالية دولية وشركات استثمارية كبرى، وتعتبر القمة واحدة من أبرز الفعاليات السياسية والاقتصادية التى تشهدها القارة خلال العام الجارى، نظرًا لحجم المشاركة وأهمية الملفات المطروحة للنقاش، وفى مقدمتها الإصلاح المالى، والاستثمار، والأمن، والطاقة، ومستقبل العلاقات بين أفريقيا وشركائها الدوليين، فضلا عن التحديات التى استعرضها الرئيس عبدالفتاح السيسى والقادة المشاركون.

جاء انعقاد القمة فى ظل أوضاع إقليمية ودولية معقدة، أبرزها تصاعد الأزمات الأمنية فى منطقة الساحل الأفريقى، وتزايد أعباء الديون على الاقتصادات الأفريقية، إلى جانب التغيرات المناخية وتراجع التمويل الدولى الموجه للقارة، كما تزامنت القمة مع مساعى فرنسا لإعادة بناء علاقاتها مع أفريقيا بعد تراجع نفوذها فى عدد من دول غرب القارة، مثل مالى والنيجر وبوركينا فاسو.

انطلاقا من هذه التحديات، أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى فى كلمته أنه «لا تنمية بدون سلام.. ولا سلام بدون تنمية» وتطرق إلى أن التوترات الجيوسياسية المتنامية، وتداعياتها التى تقوض استقرار سلاسل الإمداد الدولية، وتؤثر سلباً على أمن الطاقة والغذاء، وبشكل أشد وطأة على دولنا الأفريقية، التى تبذل مساعى مضنية، فى سبيل تحقيق أهداف التنمية لشعوبها فى الوقت الذى تسعى فيه أيضًا، إلى الحفاظ على انضباطها المالى، وكبح جماح مستويات الدين بها.

عبّرت كلمة الرئيس عن المشكلات التى تواجه القارة السمراء، ودعا إلى تبنى رؤية شاملة تعالج معضلة تمويل التنمية، وضرورة كسر الحلقة المفرغة لأزمة الديون السيادية، خاصة أن الكثير من دول أفريقيا باتت تنفق جانبًا كبيرًا منها على خدمة الدين، أكثر مما ينفق على الصحة والتعليم معا، وهو ما يتطلب حلولًا ومعالجات لتبادل الديون ودعم التنمية الخضراء، وقدم الرئيس السيسى روشتة لعلاج جانب من الأزمات، عندما شدد على أهمية تشجيع صادرات الدول النامية إلى الأسواق الخارجية، ودعم فرص نمو الصناعات الوليدة فى القارة الأفريقية وضرورة التعاون لدعم تفعيل اتفاقية التجارة الحرة القارية، من خلال دعم سلاسل الإمداد بين الدول الأفريقية، وبناء القدرات والمهارات لشباب القارة.

الفعاليات استهدفت إذن التركيز على إعادة صياغة العلاقات الاقتصادية بين أفريقيا وشركائها الدوليين، بعيدا عن نموذج «المساعدات التقليدية»، والتخطيط للانتقال إلى نموذج يقوم على الاستثمار والشراكة الاقتصادية المتكافئة، لهذا أكد الرئيس الكينى ويليام روتو خلال كلمته الافتتاحية أن أفريقيا «لا تبحث عن مساعدات، بل عن شراكات عادلة تقوم على المصالح المتبادلة»، وبدوره أقر ماكرون بأن «أيام تقديم المساعدات قد ولت»، وركز على مفهوم «الاستثمار المشترك»، وهو الأمر الذى يؤكد أن أفريقيا تتقدم بوضوح وثقة نحو فرض شروطها كشريك مساوٍ فى صياغة القرارات العالمية، مؤكدة أنها «لا تنتظر، بل تبنى» مستقبلها.

وشهدت القمة مناقشات مكثفة حول إصلاح النظام المالى العالمى، ومطالب بإعادة النظر فى آليات تقييم المخاطر الائتمانية التى تفرض على دول القارة، واعتبر العديد من قادة القارة أن التصنيفات الحالية ترفع تكلفة الاقتراض وتحرم دولهم من فرص استثمارية ضخمة.

كما طرحت فكرة إنشاء وكالة أفريقية مستقلة للتصنيف الائتمانى، بهدف منح تقييمات أكثر عدالة للاقتصادات الأفريقية.. ومن أبرز القضايا التى نوقشت أيضا، تمويل مشروعات البنية التحتية والطاقة النظيفة، والأمن والاستقرار فى منطقة الساحل والتحول الرقمى والذكاء الاصطناعى ومكافحة التغير المناخى وإصلاح المؤسسات المالية الدولية.

قضايا الأمن الإقليمى كانت حاضرة بقوة، خاصة الأوضاع فى السودان ومنطقة الساحل، فى ظل تصاعد الهجمات المسلحة وتنامى نفوذ الجماعات المتطرفة.. وأكدت عدة وفود أفريقية ضرورة تعزيز التعاون الأمنى والاستخباراتى بين الدول الأفريقية لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.

وشهدت الاجتماعات أيضا تأكيدا أفريقيا متجددا على ضرورة إصلاح مجلس الأمن الدولى ومنح أفريقيا تمثيلا دائما به، وأكد محمود على يوسف رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقى أن القارة تتمسك بموقف موحد بشأن إصلاح الأمم المتحدة وإنهاء ما وصفه بـ «الظلم التاريخى» فى تمثيل أفريقيا داخل المؤسسات الدولية.

وقد أعلنت فرنسا خلال القمة عن حزمة استثمارات جديدة فى أفريقيا بنحو 27 مليار دولار، تشمل قطاعات الطاقة والزراعة والتكنولوجيا والبنية التحتية، وأوضح الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون أن بلاده تسعى إلى «علاقة جديدة قائمة على الاحترام المتبادل والسيادة الاقتصادية».

ورغم الطابع الاقتصادى للقمة، فقد حملت أبعادا سياسية واضحة، خاصة فيما يتعلق بمحاولة فرنسا تعزيز وجودها فى أفريقيا الناطقة بالإنجليزية، بعد تراجع نفوذها التقليدى فى دول غرب أفريقيا الناطقة بالفرنسية، ويعكس اختيار نيروبى لاستضافة القمة تحولا فى الاستراتيجية الفرنسية نحو بناء تحالفات جديدة مع دول مستقرة سياسيا واقتصاديا مثل كينيا.

وتأتى مشاركة الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون فى هذه القمة، وفى هذا التوقيت بالذات، محملة بدلالات سياسية وإستراتيجية عميقة، أهمها الخروج من «منطقة الراحة» الفرانكوفونية..

حيث إنه لأول مرة منذ عام 1973، تعقد القمة الأفريقية-الفرنسية فى بلد غير ناطق بالفرنسية.. وهذا التحرك هو محاولة واضحة من ماكرون للبحث عن حلفاء جدد فى شرق أفريقيا «المنطقة الأنجلوفونية» بعد الإخفاقات الدبلوماسية والعسكرية المتتالية فى غرب أفريقيا، خاصة فى مالى والنيجر وبوركينا فاسو، وانسحاب القوات الفرنسية من السنغال..

كما يسعى ماكرون إلى إعادة تسويق السياسة الخارجية الفرنسية، وذلك من خلال فك الارتباط بين سياسة بلاده الحالية وماضيها الاستعمارى المعروف بـ «أفريقيا الفرنسية، وذلك باختيار نيروبى كـ «مركز دبلوماسى»، يحاول تقديم فرنسا كشريك اقتصادى حديث وليس كقوة مهيمنة، لأن ماكرون يدرك أن أفريقيا أصبحت ساحة لتعدد الأقطاب، مع توسع الصين ودول الخليج فى مجالات البنية التحتية والطاقة، لهذا استهدفت مشاركته استعادة موطئ قدم لبلاده، عبر صفقات استثمارية ضخمة واتفاقيات دفاعية، مثل تلك الموقعة مع كينيا.

وقد خرجت القمة بعدة نتائج مهمة، أبرزها الإعلان عن استثمارات ومشروعات جديدة فى قطاعات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا.. والاتفاق على تعزيز التعاون المالى بين الدول الأفريقية والمؤسسات الدولية.. ودعم إنشاء آليات أفريقية مستقلة للتصنيف الائتمانى وتمويل التنمية، بجانب التأكيد على أهمية التحول نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة وتعزيز التعاون الأمنى لمواجهة الإرهاب فى منطقة الساحل، كما اختتمت القمة بإعلان مشترك دعا إلى بناء «شراكة جديدة تقوم على التنمية المستدامة والعدالة الاقتصادية»، مع التأكيد على أهمية إشراك الشباب والقطاع الخاص فى صياغة مستقبل القارة.

ورغم الأجواء الإيجابية التى صاحبت القمة، فقد واجهت بعض الانتقادات، حيث رأى خبراء أن الوعود الاستثمارية لا تزال أقل من حجم التحديات التى تواجهها أفريقيا، كما اعتبر البعض أن القمة تمثل محاولة فرنسية لاستعادة النفوذ فى القارة، أكثر من كونها تحولا حقيقيا فى طبيعة العلاقات مع أفريقيا، وانطلاقا من هذه الرؤى يظل نجاح القمة مرهونا بمدى تنفيذ التعهدات الاقتصادية والسياسية على أرض الواقع..

وقد تعرض الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون لانتقادات بعد مقاطعته النقاش إحدى جلسات النقاش، منتقدا الحاضرين بسبب الضجيج فى القاعة، الذى يحول دون سماع المتحدثين، وهو الأمر الذى أثار جدلا على وسائل التواصل الاجتماعى، ورأى البعض أن تصرف ماكرون يعكس استمرار «عقلية الوصاية الاستعمارية» الأوروبية تجاه القارة السمراء.

ورغم هذه الانتقادات، إلا أن القمة تعكس إدراكا متزايدا لدى القادة الأفارقة بضرورة إعادة صياغة موقع القارة داخل النظام الدولى، خاصة فى ظل التحولات الاقتصادية والسياسية العالمية، كما تؤكد سعى أفريقيا إلى تجاوز نموذج التبعية التقليدى، والانتقال إلى مرحلة تقوم على الشراكات الاقتصادية والاستثمار والتنمية المستدامة.

ورغم التحديات الأمنية والاقتصادية التى لا تزال تواجه القارة، فإن القمة مثلت محاولة جديدة لوضع القارة فى قلب النقاشات الدولية حول الاقتصاد العالمى والطاقة والأمن، وسط آمال بأن تتحول الوعود والتوصيات إلى خطوات عملية تعزز الاستقرار والتنمية فى القارة خلال السنوات المقبلة.