قضية ورأى

اللوبى الصهيونى فى أوروبا

د. أيمن الرقب
د. أيمن الرقب


الشيء اللافت هو حفاظ اللوبى الصهيونى على مراكز الثقل والتأثير فى أوروبا وعدم السماح لكل اليهود بالهجرة لدولة الاحتلال من أجل ضمان التأثر الصهيونى على مراكز القرار فى أوروبا.

 فى خطوة اعتبرت مفاجأة أعلن الاتحاد الأوروبى فى الثانى عشر من مايو الجارى عن موافقة دولة هنغاريا تنفيذ عقوبات على عدد من المستوطنين لا يتجاوز عددهم خمسة نتيجة ممارساتهم الإرهابية الموثوقة ضد الشعب الفلسطيني.

لم يجف حبر هذا الخبر وأردفه بعد عدة ساعات خبر مفاده رفع الاتحاد الأوربى عقوبات كان قد هدد بتنفيذها من قبل ضد الوزيرين الإسرائيليين المتطرفين إيتمار بن غفير وبيتسئيل سيموتريتش.

هذان الخبران أبرزا دور اللوبى الصهيونى فى أوروبا والذى لا يقل تأثيره - وقد يكون أكثر - من اللوبى الصهيونى فى الولايات المتحدة الأمريكية.
اللوبيات الصهيونية فى العالم تكونت قبل قيام دولة الاحتلال الإسرائيلى بعدة سنوات، ووضعت خططا جمعية وفردية بهدف خدمة المشروع الصهيونى وضمان تمويله مالياً وسياسياً وإعلامياً، وقد نجحت فى التأثير على صناع القرار فى أوروبا بشكل واضح وما وعد بلفور علم ١٩١٧م إلا نتاج إحدى هذه اللوبيات. 

ومن أجل السيطرة على رأس المال الغربى لخدمة الأهداف الأخرى انطلق اليهود من قواعد فقهية لديهم تقول «إن مال العالم لكم، وكل ما تجمعون من مال لا يكفي، قاتل ليكون المال لك وحدك».

وبذلك المال أصبح هدفاً يستخدمونه فيما بعد للسيطرة على مناحى الحياة فى الغرب، واللافت هو توزيع مركز التأثير اليهودى فى مناحى الحياة العديدة، فنجد يهوداً يعيشون فى الأحياء الراقية، ويهوداً آخرين يعيشون فى الأحياء الفقيرة وسلسلة التواصل واحدة. 

لقد تناول العديد من كتاب أوروبا تأثير اللوبى الصهيونى فى صناعة القرار فى أوروبا، ومن أبرز من تناول هذا الأمر هو الفيلسوف الفرنسى روجيه غارودى والذى ركز العديد من كتاباته لفضح دور اللوبى الصهيونى فى صناعة القرار فى أوروبا، حيث أشار إلى أن اللوبى الصهيونى يتحكم فى كل شيء فى أوروبا بدءاً من الإعلام مرورا بالسياسة والمال وانتهاء بالكنيسة التى اعتذرت لليهود على الهولوكوست رغم أنها لم تكن طرفاً فيه.

ورغم محاولة غارودى التفريق بين اليهودية والصهيونية، إلا أنه واجه حرباً شعواء وحصاراً إعلامياً وثقافياً فى الغرب، حيث اتُهم بمعاداة السامية وحُوكم فى فرنسا، مما قاده فى النهاية إلى مقاطعة شبه تامة من قبل وسائل الإعلام والمؤسسات الغربية، وقد واجه العديد من الكتاب والسياسيون ما واجهه الفيلسوف روجيه غارودي. 

من زاوية أخرى  برز دور اللوبى الصهيونى فى آلية التعامل مع اللاجئين القادمين من الشرق حيث يتم التحكم فى آليات وأماكن توزيع اللاجئين للحفاظ على صناعة القرار فى هذه الدول، قد لا يكون التحكم فى هذا الأمر بشكل محكم وقد تحدث بعض الإخفاقات رغم الحرص الشديد. 

يوجد فى أوروبا مئات من الجمعيات اليهودية التى تتقاطع مع اليمين الغربى والتى تعمل على هندسة المهاجرين القادمين من الشرق إلى الغرب، وكذلك ترتيبات تهجير اليهود من أوروبا إلى الاحتلال الإسرائيلى حسب الحاجة، ومن الشيء اللافت هو حفاظ اللوبى الصهيونى على مراكز الثقل والتأثير فى أوروبا وعدم السماح لكل اليهود بالهجرة لدولة الاحتلال من أجل ضمان التأثر الصهيونى على مراكز القرار فى أوروبا. 

وفى السنوات الأخيرة ومع تنامى الوجود العربى فى أوروبا، وخشية تأثير هذا الوجود على اللوبيات الصهيونية فى الغرب بدأ تخويف الغرب من الإسلام ( الإسلاموفوبيا)، والتحريض على المهاجرين المسلمين، واتهامهم بأنهم يشكلون تهديداً ديموغرافياً وثقافياً، وبدأ قبل عدة سنوات العمل على إنشاء تحالف مع قوى اليمين المتطرف الأوروبى لتأجيج المشاعر المناهضة للهجرة.

وقد نجح اللوبى الأوروبى فى هذا الهدف بعدة دول، وأخفق فى العديد، وفشل رئيس وزراء دولة المجر حليف رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، فيكتور اوربان فى النجاح هذه المرة رغم نجاحه على مدار سنوات ماضية متحالفاً مع اللوبى الصهيونى نتيجة استيقاظ وعى شعبوى فى أوروبا. 

بالطبع اللوبى الصهيونى لم يسلم بهذا الأمر، وسيضع معيقات أمام القادم الجديد فى دولة المجر لإفشاله، حتى لا يكون نموذجاً لدحر تأثير اللوبى الصهيونى فى دول أوروبية أخرى، سيعمل مع حلفائه من اليمين الغربى لترتيب عودة اليمين من جديد خلال السنوات القادمة. 

يعمل اللوبى الصهيونى خلال الأعوام الماضية على إعادة هندسة اللاجئين من الشرق، حيث يتم إقناع بعض مراكز القرار فى أوروبا بضرورة طرد جزء منهم إلى دولهم، وجزء آخر إنشاء معسكرات إيواء خارج حدود أوروبا، وبرزت بشكل كبير فكرة إنشاء معسكرات للاجئين الذين يحرمون من أى ضمان اجتماعى فى دول إفريقية. 

اللافت أن اللوبى الصهيونى دعم بشكل كبير استقبال اللاجئين من أوكرانيا والعمل على دمجهم داخل أوروبا. 

العبرة هى أن تستخلص التجربة، وأن يستفيد صناع القرار العربى من أسلوب سيطرة اللوبى الصهيونى فى أوروبا لإنشاء مراكز تأثير عربي، واستغلال طفرة الوفرة المالية العربية بما يخدم مصالح العرب، والعمل على استغلال الهجرة من الشرق لأوروبا لإنشاء هذا النفوذ، مع التعاون الكامل مع دول ومؤسسات غربية صديقة، والعمل على جذب الشباب العربى للبقاء فى أوطانهم التى ستشهد نمواً فى الاقتصاد وتوافر مجالات العمل دون الحاجة للهجرة والذهاب للمجهول، وحقول الصراع التى تهدر الطاقات.