عُدتُ من زيارتى للهيئة المصرية العامة للكتاب لحضور اجتماعٍ مهم، مُحمَّلاً بالكُتُب والمجلات التى تُصدِرها الهيئة، والتى يُقدمها لنا الدكتور خالد أبو الليل رئيس مجلس الإدارة بسخاءٍ نحسِده عليه. مجلة الفِكر المُعاصر فى عددها الجديد الصادر عن شهرى يناير ومارس 2026 فيه مقال مهم كتبه الأستاذ الدكتور مصطفى النشَّار، عنوانه مُثير للاهتمام والمتابعة، يقول العنوان:
- هل للفلسفة ضرورة فى عصر الذكاء الاصطناعى؟
ومثلما طرح السؤال حاول الإجابة عنه. ويقول صاحب الدراسة المهمة إن الذكاء الاصطناعى هو مجال فى علوم الحاسوب، يهتم بتعميم وتطوير برامج حاسوبية تهدِف لإنشاء أنظمة قادرة على أداء مهام تتطلب عادة ذكاءً بشريًا، مثل: التعليم، والقُدرة على التفكير الذى يوصلنا لحل المشكلات، والتعرف على أنماط وفهم اللغة العادية، ويهدف إلى إنشاء أنظمة مُعالجة البيانات واتخاذ القرارات وتقديم نتائج دقيقة وموثوقة. ببساطة إنه يجعل الآلات تُفكِّر مثل البشر.
والذكاء الاصطناعى يتطور بشكلٍ سريع لدرجة أن البعض منا لم يعُد قادرًا على مُلاحقة ما يحدث من تطورات فى هذا المجال. فبدأت الآلات الذكية تأخذ شيئًا فشيئًا مكان الإنسان فى كل شىء. ويتنبأ آرثر سى كلارك صاحب كتاب صدر فى القاهرة منذ سنوات اسمه: لقطات من المستقبل، يقول فيه:
- إن الجيل الحاسم من الكمبيوترات قد يكون من المُمكِن أن كل مفكرة أصيلة سوف تُنمِّى بدلاً من أن تبنى، وتم بالفعل إجراء بعض التجارب بحسب هذه الخطط، وصنعت كائنات اصطناعية عديدة لها القدرة على أن تعيد توصيلاتها لتتكيف مع الظروف المتغيرة.
عمومًا فإن نبوءات العُلماء وخيال صُنَّاع الأفلام الخيالية والدراما يشى بأنه ربما تأتى اللحظة التى سوف تحل الماكينات فيه محل الإنسان، وربما تتفوق عليه. لدرجة أن السؤال المطروح: أيهما سيسبق الآخر: الإنسان أم الآلة؟.
ويؤكد المؤلف أننا أصبحنا نعيش عصرًا تتشكل فيه تصورات عن المستقبل تتجاوز الإطار التقليدى متجهة لآفاق ما بعد الإنسانية على حد ما قاله علماء الغرب. إن السؤال الكبير: من سيؤطر كل هذه التصورات البائسة أو المتحمسة للمستقبل؟ ومن سيوجه دابة البحث العلمى والتطورات التكنولوجية الآن ومستقبلاً نحو مصلحة الإنسان وليس ضده؟ ومن المسئول عن قراءة نتائج التقدم العلمى المذهل وتحذير القائمين عليه من مخاطره بعد بلورتها والكشف عن بعض ملامحها الغامضة؟.
إنهم الفلاسفة والعُلماء، فالفليسوف إنسان مشغول بالإنسان ومستقبلة، لذلك فإن صاحب هذه الدراسة المهمة يؤمن بأننا سنعيش مرحلة ما بعد الإنسان. إنه عصر العلم الحديث الذى علينا أن نستعد له من الآن.
وفى نفس العدد من مجلة الفكر المعاصر يكتُب الدكتور عصمت نصَّار أستاذ الفكر العربى الحديث بجامعة القاهرة فرع الخرطوم متسائلاً: من أين نبدأ؟ ثم يؤكد أنه سؤال يصعُب علينا تجاوزه واجتيازه. ويكتُب: لم يعتد هذا الجيل من الباحثين جعل السؤال عتبة لخطاب أو اسم مقال. وذلك لأنهم جهلوا أو تجاهلوا أن للسؤال فلسفة أكثر أصالة من الإجابات المطروحة التى يستوحى كُتَّابها أحكامهم من مقدمات لم يفصحوا عنها لقرائهم.
ويكتُب الكاتب أننا إذا ما سلمنا بموضوعية الفكر الفلسفى العربى الإسلامى، وميلُه للنزعة العملية التطبيقية، فسوف نجد لفلسفة السؤال من جهة والسؤال الفلسفى من جهة أخرى ما كان لا يمكن إنكارها عندما نتساءل عن المعنى والدِلالة، وعندما نتوقف أمام كتابات الشعراء وأقاويل فلاسفة اللغة والدين الذين حاكموا المناطقة فى كتاباتهم، وأهمهم: المتنبى. وهناك كتابات أخرى كثيرة تأخذنا إلى هذه المنطقة المثيرة للجدل والتفكير بصورةٍ غير عادية.
إن ابن خلدون سبق أن كتب أن الترف والركون إلى الراحة قد يؤديان إلى زوال الثقافات، وذلك عندما قال:
- إذا بلغ الترف بالناس مبلغه أفسد أخلاقهم وأوهن عزائمهم وجعلهم عالة على غيرهم، وهنا قد تنهار الدولة وتضمحل الحضارة.
ويؤكد الكاتب أن سؤال اليوم لا يختلف عما رددناه فى العقود السِتة الأخيرة التى تعيشها أمتنا من أزمات وكآبات وانكسارات وإخفاقات، ولهذا علينا أن نُعيد السؤال من جديد: من أين نبدأ؟ يليه السؤال المهم: ومن أين الطريق؟ إنها أسئلة الوجود الكُبرى التى لا يمكن الهروب منها مهما حاولنا ومهما اجتهدنا فى محاولاتنا، وعلينا مواجهتها الآن وليس غدًا.

شعب مصر.. وجيشها
إدانة.. ولكن «1»
التعامل مع البنوك بالتليفون ممنوع







