يوميات الاخبار

موت الشاعر وغياب المثقف

د. عادل ضرغام
د. عادل ضرغام


يكتبها اليوم :عادل ضرغام

توفى فى الآونة الأخيرة على فترات متباعدة الشعراء محمد أبوالعزايم، وأشرف البولاقي، وسيد العديسي. أعرف الأول معرفة قوية، حتى يمكن أن أصفه بالصديق المقرّب، والثانى أعرفه بشكل بسيط جلست معه مرة أو مرتين وتقابلنا فى مؤتمر أدباء مصر بالوادى الجديد، ولكن يمكن لمن يجلس إليه أن يقرأ داخله، لأنه واضح وروحه شفّافة لا تخفى شيئا، والأخير أعرفه من خلال نصوصه التى قرأتها وتوقفت أمامها طويلا محاولا الاقتراب من هذه الروح.
لن أتوقف طويلا عند النقاش الدائر حول إنكار البعض للحالة التى أصابت الجميع بسبب الوفاة المفاجئة لهم، فالبعض يرى أن بها شيئا من التزيّد، ولن أناقش قيمتهم الفنية التى يرى البعض أن الموت جعلها تستوى داخل مرآة مقعرة، ولكنى سأشير إلى أنهم جميعا كانوا يحملون أرواحا شفيفة تستطيع أن ترى وتبصر، وأننا بفقدهم فقدنا العين التى ترى، والروح التى يمكن أن تطير، والحدس الذى يصل إلى درجة اليقين. فالشاعر صلة ممتدة حية بين الأرض والسماء، وحين يموت تتلاشى هذه الصلة، ويغيب هذا الوحى الذى يرمم إنسانيتنا، ويجعلها تستعيد عافيتها فى لحظة محددة حين تتكوّم حولنا الأسئلة.
كان أبوالعزايم قريبا منى يحكى لى أشياءه الخاصة، وكنت قاسيا عليه حين نكون وحدنا، وأشعر بندم شديد بسبب تلك القسوة، وبسبب أننى لم أدرك رهافته الخافتة، فى وقت كان فى حاجة ماسة إلى من يقدّرها، ويربت على كتفه وحزنه. زارنى فى بيتى قبل العيد بيومين، وجلسنا من التاسعة مساء حتى الثانية عشرة ليلا، تحدثنا فى أشياء كثيرة، وكنت على عهدى بالقسوة التى أظهرها له. وفى لحظة خروجه سلمنى كيسا، وقال: هاتان بدلتان اشتريتهما لك حتى تتذكرني، وخرج، ولم أكن أعرف أنه لقائى الأخير به.
الثقافة من الفعل إلى القصور الذاتي
الثقافة المصرية لها وضع عجيب، فهى منذ فترة ليست قصيرة لم تعد تعتمد على نسق المثقف، وأصبحت تعتمد على نسق وأساليب أناس معنيين باستكمال الشكل فى كل مجال، كأنهم يدورون وفق أفق جاهز، وكأن الثقافة انتقلت إلى شيء شبيه بالحرف اليدوية المرتبطة (بالمعلم) و(البلية) المعلم يعمل وفق أسس مستقرة جاهزة، والبلية يراقب ويساعد مساعدات بسيطة، لا تضمن له فى المستقبل وجودا مغايرا، ولذلك يظلّ العمل الثقافى واقفا عند حدود الشكل. فنظام أو نسق البلية المهيمن يتكوّن من العجز والإهمال والتواكل، لأنه نظام ينشأ بالتساند يغيب فيه دور من يعرف، لصالح الأكثر جهلا الذى تعوّد على المراقبة والسير وفق المحدد والجاهز. 
منذ سنوات أو عقود يستطيع المتأمل والمتابع أن يدرك طبيعة التحولات الكبرى فى الثقافة المصرية من أنظمة المثقف إلى أنظمة بديلة، تقوم على التيه بتعداد الأنشطة، وليس على طبيعة تحققها وتأثيرها، فكثير من المؤسسات موجودة، وتمارس عملها، لكنها تعمل بالقصور الذاتي، والاكتفاء بأداء الدور، دون إزعاج للذهن فى التفكير بالكيفية التى تمّ بها أداء هذا الدور، أو بالنتائج التى يمكن إنجازها. هذه الأسس البديلة تتكاتف داخليا لإحداث نوع من الصدى الذى يستقوى بالتكرار الدورى دون أثر.
غياب المثقف وحضور الموظف
تنتج هذه الأسس بشخصياتها التى تقوم على التساند والتكاتف موظفين لن يصبحوا مثقفين وإن حاولوا، يظلّون طوال حياتهم لاهثين لردم الهوّة بين الصفتين. نجد بعضهم يحاول أن يكون مثقفا، فيقترب من المنصّة قيد ذراع لكى يعوّد نفسه عليها، مؤديا دورا ما، محاولا إشعار الجميع من خلاله باختلافه، لكن سرعان ما يعود إلى تكوينه الأساسي، غير القادر على أداء ذلك الدور، فينسحب بعد محاولات عديدة مضنية مكتفيا بوجوده الوظيفي، مع شعور بكره شديد لهؤلاء المثقفين، فيحاول أن يجعلهم جميعا شبيهين به داخلين فى آليات وأساليب الأساس التشعبى الذى يمثله ويستقوى ويوجد بسببه. هذا الإطار الثقافى فى تكوّنه وتكاتفه وتسانده لا علاقة له بالسن، فهذه الكتلة تضم أناسا فى بداية حياتهم، ومنهم من تجاوز الستين، ومنهم من على مشارف السبعين أو يزيد عليها، وليس هناك استغراب لهذه السن المتأخرة، لأن الفيصل فى الأمر مدارات الربح والخسارة، بالإضافة إلى الحضور وعدم الغياب، والتأثير فى تأسيس مناخ لا يحفل إلا بكل مدجّن فى تشابهه وارتباطه بشبيه سابق، اكتسب وضعا غير طبيعى فى لحظة مارقة ما. يحفر هذا الأفق لنفسه بالتجاوب والتساند مناخا يليق به وبأصحابه. فحين تعرف أسماء المحكمين والمحكمات فى جائزة كبرى تمنحها الدولة، فأنت بالضرورة سوف تصاب بالدهشة، لأننا وإن قبلنا بوجود هؤلاء فى تحكيم جائزة الدولة التشجيعية، فالأمر يصبح صعبا جدا حين نعلم بوجوده أو وجودها فى الجوائز الكبرى التالية، لأن الأسماء التى سوف تُستعرض أمامه أو أمامها كبيرة جدا، ولن يدرك هذا المحكم- أو غيره- قيمتها، وطبيعة التفاوت بينها مهما قام أو قامت بأفعال الحواة، وإجراء بعض الحوارات التى يمكن أن تكون فاعلة فى تضخيم الكتكوت المسخوط. 
لحظة من فضلك: جائزة النيل
فى طرفة دائرة على ألسنة المثقفين- وهى طرفة حقيقية- تشير إلى أن شاعرا رشحته هيئة لها ثقلها لنيل جائزة الدولة التقديرية منذ سنوات، وحين عرف الشاعر بالخبر ارتاع، وأقدم على رفض الترشح، ليس لأنه لا يريد الجائزة، ولكن لأن هذا الترشيح يمثل خرقا تراتبيا لديه للحصول على الجوائز. فحين رُشّح لم يكن قد حصل على جائزة التفوّق، وفى تحديده الذهنى يخطط للحصول عليها جميعا. فهذا الترشح فى ظلّ هذا المنطق يظلمه، ولا يعطيه حقه كاملا غير منقوص. هذا التفكير وجهنى نحو معاينة الأمر وفق توجّه مختلف بالرغم من كونها فكرة تخايلنى منذ سنوات خلت. وهى ترتبط بموجبات منح الجوائز، واختلافها من جائزة إلى أخرى. فإذا كان من موجبات جائزة الدولة التقديرية فى الآداب إحداث حركة وتغيير وإضافة داخل التخصص أو داخل الفن، فإن الجزء الأكثر أهمية فى موجبات منح جائزة النيل يتمثل فى إحداث التأثير ليس فقط فى السياق العربي، ولكن فى السياق العالمي. والسؤال المطروح يتمثل فى مدى استحقاق النماذج المطروحة للجائزة بشكل عام دون تحديد. الثقافة المصرية- لكى تُبقى على الجائزة مزدانة بقيمتها، ومصونة بنماذجها العليا التى حصلت عليها بحقّ قبل ذلك- عليها أن تفعّل فى الوقت الراهن أساسا من الأسس الحاكمة للجائزة. فالقادر على المنح إذا وجد أناسا يستوفون الشروط والموجبات الخاصة بالجائزة قادر فى الآن ذاته على الحجب أو التجميد، خاصة أن هناك شعورا بأنظمة عمل فى التشكيل والترتيب والتجهيز والإبعاد والإهمال انطلاقا من موجبات العمر والزمن والكوته الجغرافية وقوة المؤسسة التى ترشح، حيث يطلب بعض القائمين على بعض المؤسسات الإبقاء على مرشحها، وعلى أمين رئيسها فى مؤسسات أخرى.
تراتبية مضللة
التأمل الطويل يشير إلى أنه ليس من الضرورى أن تقدر كل ثقافة أو هيئات علمية- على قيمتها- أن تخرج لنا كل عام أناسا يستحقون. دائما هناك فجوات، ودائما هناك اختلاف بين السابق واللاحق. ما أطالب به أن يكون هناك إجراءات تعيد لأية جائزة بهاءها حين يبدأ فى الخفوت، لأن هناك مرشحين تسللوا تحت تأثير نسق (التساند والتكاتف) أو (بنك رد الجميل) كما يقول باولو كويللو، لم يقدّموا إلا كتابة لزجة فاترة، وحين يكتبون شعرا أو رواية أو نقدا، وتمرّ عيناك بما يكتبون ستشعر بهذه اللزوجة، حتى يخايلك شعور أن بعضهم مثبت عند الله بدرجة (لزج) جدا.
تفعيل نسق التساند والاستقواء فى السنوات الأخيرة، أوجد نوعا من التراتبية المضللة، تراتبية تحمل نوعا من التهافت والترصد للحصول على الجائزة، والانتقال من الحصول على واحدة، إلى الاستعداد والتجهيز للحصول على التالية استنادا إلى الموجبات والإنجازات السابقة. نتيجة هذا النظام تتمثل فى وجود مرشحين كثيرين لجائزة النيل- صعدوا أو لم يصعدوا للتصويت- مستندين إلى موجبات الحصول على التقديرية التى حصلوا عليها من سنوات قليلة، وليس لهم إسهام ملموس يمكن إضافته إلى الإسهام السابق، يجعله قمينا بالحصول على الجائزة الجديدة الأعلى. جائزة النيل- أو التقديرية أو التفوق أو أية جائزة تمنحها الدولة- ليست جائزة شرفية أو اجتماعية، بل هى جائزة تعتمد على الإنجاز الملموس، وليس على العمر، أو على الترتيب أو التوجيه، وإذا لم توجد إجراءات حاكمة تمنع هذا التوجّه فى منح الجائزة دون الشعور بمنجز على أرض الواقع يتفق حوله الجميع، ويشير إلى جدواه وقيمته، فإن الأمر حتما سيبدو أكثر ترهلا، وستتحوّل الجائزة إلى حدث شرفى يتمّ الإعداد له بخطة واعية من لحظة الإعلان الأولى إلى لحظة النهاية والفوز الكبير .