د. طارق فهمى
معالجة السياسات الأمريكية الراهنة وتوجهاتها غير المنضبطة سيرتبط فى المجمل بالتعامل بخيارات صفرية وليست رمادية مع الجانب الإيرانى
المتتبع لقرارات الإدارة الأمريكية وتوجهاتها الراهنة تجاه التعامل مع الجانب الإيرانى يكتشف أن إيران تستثمر فى التقلبات الأمريكية سياسيا وعسكريا، وعدم وجود مقاربة سياسية حقيقية يمكن للجانب الأمريكى الضغط على إيران وحسم الملف التفاوضى، خاصة أن العمل بالواقع العسكرى متاح بدرجة أو بأخرى فى ظل الاستعدادات العسكرية غير المسبوقة للجانب الأمريكى فى منطقة الخليج والتى تدفع بقوة إلى النظر إلى ما يمكن أن يتم سواء مضت السياسة الأمريكية تجاه العمل التفاوضي، أو فى الخط العسكري، وحسم الأمر بهدف استعادة إيران للتفاوض الجدى والانخراط فى عمل تفاوضى حقيقى بدلا من المراوغات الإيرانية لإطالة أمد المشهد والسعى لدفع الولايات المتحدة لسياسات أخرى الأمر الذى يعطل ويؤخر التوصل لاتفاق، وهو الأمر الذى تدرك تبعاته كل الأطراف فى ظل تهديد الملاحة البحرية بأكملها وليس خطوط الغاز أو النفط أو مسار اللوجستيات المتعددة، الأمر الذى يدفع إلى ضرورة التعامل الجاد من الولايات المتحدة خاصة أنها أوقفت مشروع الأمل بعد ساعات من إقراره ما يشير إلى حالة من التخبط، وعدم وضوح الرؤية من قبل هيئة الأركان باعتباره قرارا عسكريا وليس فقط سياسيا، وأن الرئيس الأمريكى ترامب وافق على هذا الأمر، وبصرف النظر عن الجهات التى مارست ضغوطا حقيقية على الرئيس ترامب لوقف الإجراء، وهو ضمن إجراءات عسكرية وسياسية اتخذت طوال الفترة الماضية وأدت إلى إطالة أمد الحرب حتى الآن سواء على مستوى القيود الأمريكية الداخلية وحالة التجاذب داخل الكونجرس، ومرورا بقيد الاتجاه إلى حرب وصلاحيات الرئيس الأمريكى فى دخول الولايات المتحدة الحرب عبر عملية عسكرية شاملة ووفق مخصصات محددة طلبتها البنتاجون وفى نفس التوقيت تتالت الإجراءات والاتصالات الأمريكية مع الوسيط الباكستانى أولا وأطراف أخرى مثل تركيا ومصر وسلطنة عمان وأخيرا روسيا والصين، ومع الفارق فى دور كل طرف فإن الإدارة الأمريكية لم تنجح فى أن تأتى بإيران إلى مفاوضات حقيقية خاصة أن الرئيس الأمريكى ترامب أسقط خيار الإطار الزمنى فى التعامل، والذى كان هدفه الضغط على الجانب الإيرانى وتقييد حركته وليعود الرئيس الأمريكى الذى أدار المواجهات لمدة 38 يوما انطلاقا من أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية، وبرغم قلة خبرته فإنه صمم على المُضى فى مساره حيث أطلق العشرات من التصريحات غير المنضبطة أو المدروسة وعمل على إدارة المواجهة من مواقع التواصل الاجتماعى، ولم يركز جل اهتمامه على محاصرة بل وتطويق السلوك الإيرانى بصورة شاملة لإجبار الجانب الإيرانى على الاستكانة وتقديم تنازلات حقيقية بل تركه يتحرك فى ملفات تجاوزت أسس المفاوضات الرئيسة بدءا من توظيف ملف مضيق هرمز إلى تشعيب أسس التفاوض حول البرنامجين النووى والصاروخى، تاركا ملفات أكثر أهمية متعلقة بضمانات السلوك الإيرانى المهدد لأمن المنطقة، وبما يؤكد أن الرئيس ترامب ارتكب أخطاء كبيرة فى إدارة التفاوض قبل أن يتركه مؤخرا للجهات المعنية، وبدأت مؤسسات الأمة الأمريكية تتحرك سواء الوزراء المعنيون، أو الجهات المنوط بها التعامل وفق استراتيجية محكمة وخوض المواجهة العسكرية، وكان القرار بالاتجاه إلى التصعيد العسكرى وحسم الأمر ومرورا برفع حالة الاستعداد إلى درجة متقدمة، وهو ما يؤكد أن الإدارة الأمريكية فى حاجة إلى ضبط المشهد عبر تقييمات حقيقية مرنة والتحرك من سيناريو لآخر فى ظل هدف رئيسى بمراجعة الموقف الإيرانى كله، والانتقال به إلى خيارات حقيقية للتفاوض أو توجيه ضربة محدودة أو شاملة لتأكيد قدرة الردع وتوظيفه، وليس فقط فى اتجاه حل عاجل أو مرحلى قد يكون له تبعاته..
ليس صحيحا إذن أن إيران لديها قدرات تفاوضية حقيقية وأنها صامدة فى مواجهة ما يجرى وإنما لديها خبرات متراكمة منذ سنوات، ونجحت -ولو تدريجيا- فى توظيفها مثلما فعلت فى الاتفاق السابق الذى انسحبت منه الولايات المتحدة، وتبحث الإدارة الأمريكية فى الوقت الراهن عن آليات أخرى أفضل منه، فما زال شبح الإدارة الأمريكية يطل ويطرح فى الخطاب الإعلامى والسياسى للرئيس ترامب، وانه ينظر لإبرام اتفاق أفضل من سابقه وانه يريد أن يكون فى واجهة الإنجاز الحقيقى بعد أن فقد شعبيته الكبيرة وفق استطلاعات الرأى، ويريد العودة إلى إنجاز غير مسبوق وحقيقى وهو أمر صعب تحقيقه فى ظل التوجه الأمريكى الراهن، والذى يتطلب مزيدا من الجدية والاتجاه إلى تطويق السياسات الإيرانية وحسم معركة التفاوض المفتوح خاصة أن الاستمرار فى اتباع سياسات إجرائية واختبار الإجراءات الراهنة سياسيا وعسكريا سيؤدى إلى مزيد من تعقيد الموقف، بل وخسارة الرهانات الأمريكية فى التوصل لاتفاق مقبول يحسم الموقف الإيرانى سياسيا وعسكريا بدلا من الاستمرار فى خطط التعامل من بعد الأمر الذى قد يؤدى إلى مزيد من التنازلات التى قد تقدم عليها الولايات المتحدة، وتدفع بخيارات متعددة، الأمر الذى يتطلب العمل على مسارات متعددة ومباشرة ومنضبطة فى آن واحد..
إن معالجة السياسات الأمريكية الراهنة وتوجهاتها غير المنضبطة والتى تحتاج إلى مراجعة فى إطار من التقييمات المدروسة والمباشرة سيرتبط فى المجمل بالتعامل بخيارات صفرية وليست رمادية مع الجانب الإيرانى وفى ظل الواقع الراهن سواء اتجهت الإدارة الأمريكية للمضى فى نهج سياسى طويل وممتد وقد يكون مكلفا فى المدى المتوسط أو عادت للمواجهة العسكرية خاصة مع استمرار الجانب الإيرانى فى اختبار قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع الانخراط فى توجيه رسائل سياسية وعسكرية فى آنٍ معًا، ما يؤكد أن إيران ستظل تعمل فى مساحات من الخيارات بهدف إنهاك المفاوض الأمريكى المتعجل للتوصل لاتفاق، ما قد يكون مكلفا بعد ذلك على أمن الإقليم بل وعلى التوجهات الإيرانية تجاه الأطراف الإقليمية والدولية بصرف النظر عن الخطاب الشعبوى الموجه بالأساس للجمهور الداخلى.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







