ياسمين هانى
تتسارع التطورات فيما يتعلق بالأزمة فى الشرق الأوسط مع وجود مؤشرات متعارضة طوال الوقت، سواء للتهدئة أو التصعيد، وهو ما يعقد من القدرة على توقع مآلات الأحداث.
لكن فى كل الأحوال يبدو الموقف الإيرانى راسخًا ومتينًا من حيث عدم التنازل قيد أنملة والاستعداد طوال الوقت للتصعيد مهما كلف ذلك من ثمن. وفى مقابل هذا الموقف الراسخ من جانب طهران، يبدو على الجانب الآخر الموقف فى أمريكا متذبذبًا.
لكن هذه المقابلة ليست من فراغ، اذ أنه بحسب محللين غربيين تعكس حقيقة ذلك الصراع، وما تريده إيران فى هذه الجولة القتالية العنيفة..
ووفقًا لتحليل نشرته مجلة فورين بوليسى، فإن أزمة الولايات المتحدة مع إيران لم تعد مجرد صراع تقليدى حول النفوذ أو البرنامج النووى، بل تحولت إلى معضلة استراتيجية ممتدة تعكس تناقضًا عميقًا داخل السياسة الأمريكية نفسها فواشنطن، منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، لم تحسم موقفها النهائى من إيران: هل الهدف هو احتواء النظام والتفاوض معه لتحقيق مصالح محددة، أم إسقاطه وإنهاء وجوده السياسى؟
وهذا التردد المستمر، هو ما جعل الولايات المتحدة عاجزة عن الوصول إلى استراتيجية مستقرة وفعالة تجاه إيران رغم تفوقها العسكرى والاقتصادى الهائل.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية: الولايات المتحدة تحتاج إلى إيران فى بعض الملفات، لكنها فى الوقت نفسه لا ترغب فى التعامل معها كطرف طبيعى ومستقر فى النظام الدولى.
هذا التناقض ظهر بوضوح خلال سياسات الرئيس دونالد ترامب، التى وصفتها بعض التحليلات الأمريكية بأنها «ثنائية القطب» ففى الوقت الذى كان فيه ترامب يهدد بتدمير إيران ويدعم خطاب تغيير النظام، كان يعود فى الوقت نفسه للحديث عن فرص التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران.
لكن إيران تتعامل مع الصراع من منظور مختلف تمامًا عن الولايات المتحدة. فبالنسبة للنظام الإيرانى، تمثل المواجهة مع واشنطن قضية وجود وبقاء، بينما تبدو بالنسبة للإدارة الأمريكية أزمة سياسية يمكن إدارتها أو احتواؤها. ولذلك تبدو طهران أكثر استعدادًا لتحمل العقوبات والضغوط وحتى احتمالات المواجهة العسكرية، لأنها ترى أن أى تراجع جذرى قد يهدد بقاء النظام نفسه.
كما يلفت عدد من الكتاب الأمريكيين إلى أن الهدف الإيرانى الأعمق من أى اتفاق مع واشنطن لا يقتصر فقط على تخفيف العقوبات الاقتصادية، بل يتعلق بالحصول على اعتراف أمريكى عملى بشرعية الجمهورية الإسلامية. فمجرد جلوس الولايات المتحدة إلى طاولة التفاوض مع طهران، والتعامل معها كشريك لا يمكن تجاوزه، يمثل بالنسبة للإيرانيين انتصارًا استراتيجيًا طويل المدى.
ولهذا تسعى إيران إلى اتفاق يخفف الضغوط عنها دون أن يفرض عليها تنازلات جوهرية تمس نفوذها الإقليمى أو برنامجها الصاروخى..
وتخلص هذه التحليلات إلى أن الأزمة الحقيقية بين واشنطن وطهران ليست أزمة قوة، بل أزمة أهداف متناقضة.
فطالما لم تحسم الولايات المتحدة ما إذا كانت تريد تغيير سلوك إيران أم تغيير النظام نفسه، ستظل السياسة الأمريكية تدور فى الحلقة ذاتها بين التهديد والتفاوض، وبين التصعيد والبحث عن صفقة جديدة.
لكن بعدا آخر يبدو فى حسابات إيران وهو الموقف فى إسرائيل.. فمهما «تقبلت» واشنطن النظام الإيرانى وأقرت وجوده ولو من الناحية الدبلوماسية، فإسرائيل لن تتقبله أبدا..
ولأن إسرائيل يبدو أنها لن تجرؤ على شن حرب جديدة ضد إيران بدون دعم أقوى دولة فى العالم، فلابد للإيرانيين أن ينتزعوا «توبة أمريكية» عن شن مثل هذه الحرب فى المستقبل. إيران لا تخوض الآن حربها بهدف تدمير إسرائيل، لكنها تحتفظ بكل مستويات التصعيد فى الرد بحسب ما تتلقاه من ضربات محتملة..
ومن ثم فسلوكها الدفاعى يرتكز على «الردع العنيف».. فهى تريد أن تلغى إسرائيل وأمريكا تمامًا خيار الحرب ضد إيران فى المستقبل وأن تتقبل وجودها كدولة وكنظام، ولأجل ذلك فإيران على استعداد لبذل الغالى والنفيس.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







