سعدنيات

الخلاف النبيل

أكرم السعدنى
أكرم السعدنى


كان عبد الحليم حافظ هو الملك المتوج والأوحد على عرش الغناء العربى لفترة امتدّت طويلاً فى عمر الزمن، حتى وقع خلاف بينه وبين رفيق دربه الموسيقار الأروع محمد الموجي، وهنا فتش الأخير عن صوت جديد يشاغب به صديق عمره، وبالفعل دفع الموجى بشاب صغير العمر، ندى الصوت، جميل الطلة، اسمه هانى شاكر، وكانت أولى أغانيه (حلوة يا دنيا) فى حفل أقامته مصلحة الضرائب، وكان الموجى قد التقى بالشاب الصغير عام ٧٠ وأمضى معه عامين كاملين فى عملية تدريب قاسية، تخرج بعدها هانى شاكر فى أكاديمية الموجى للطرب، وأحدث ضجة هائلة بعد أغنية (سيبونى أحب) وأكد موهبته فى (كده برضو يا قمر) وهنا شعر حليم أن عرش الغناء يهتز تحت أقدامه؛ لأن حليم ليس إنسانًا عاديًا بل كان مقاتلاً من طراز لم نعهده من قبل، فقد بدأ حياته بتحدى عصر بأكمله، كان عنوانه محمد عبدالوهاب والذين معه، وتمكن بعد صراع عنيف من قهره وهزيمته بالضربة القاضية الفنية، وصارع المرض الذى داهم أغلب أبناء جيله، ومنهم السعدنى الكبير (البلهارسيا) بكل ما أوتى من قوة وها هو قادم على الطريق يزحف بسرعة الصاروخ الفرط صوتى أو الحلو صوتي، كان على حليم أن يفعّل كل دفاعاته المضادة لهذه المسيرة الانقضاضية المنطلقة تقصد برجه المخملى، فلم يقف مكتوف الأيدى إزاء مؤامرة الموجى الفنية، صحيح أنه تقبلها وأشاد بالمولود الجديد، ولكنه لم يترك أمر المقارنة بينه وبين هانى يمر مرور الكرام، فقد انبرى الجميع لعمل مقارنات بين صوت حليم وصوت هانى وأداء حليم وغناء هانى وحفلات حليم وحفلات هاني، وهنا كان عليه أن يتولى أمر هذا الشاب الجديد فقام بنفسه وكلف أهل الثقة بالبحث والتحرى عن صوت شاب جديد، وبالفعل عثر على ضالته المنشودة فى شخص فتى اسمه عماد، خضع لتدريبات مكثفة، وسخر له حليم كل أسباب النجاح وأطلق عليه اسمه الكفيل- لا أقول- بفتح الأبواب المغلقة ولكن بفتح القلوب الحانية، التى ذابت عشقًا على نبرات صوت عبد الحليم حافظ، فإذا نحن أمام عماد عبد الحليم الذى شغل الناس هو الآخر بالشبه العجيب بعبد الحليم حافظ، وهكذا كان الطريق للشهرة ممهدًا بالنجاح والمراحب الحارة من قبل أن يبدأ. 

وهكذا أيضًا ينجح حليم فى معركة الصمود وحيدًا على عرش الغناء، وفى معركة التصدى للمؤامرة الفنية الممتعة التى قام بها رفيق رحلة الشقاء والمعاناة محمد الموجي، واتجهت المقارنات لتنحصر بين كتاكيت الغناء هانى شاكر وعماد عبد الحليم، ويظل حليم على العرش منفردًا مغردًا لا نظير له. 

ما أجمل هذا الزمن الأرقي، حتى فى خلافاته ومشاغباته كان غنيًا ثريًا بالنتائج، لم يكن هناك سباب وخلافات وفضائح وردح على المواقع على طريقة المرحومة سكسكة، ولكن كانت هناك المنافسة التى تنتج الأنفع.  

وما أجمل الخلاف الذى نشب ذات يوم بين الرائعين حليم والموجي؛ لتكون ثمرته العذب الراقى الممتع الذى أسعدنا طوال رحله عطائه النبيل.. أمير الغناء العربى 

وداعًا هانى شاكر أجمل نغمة من الزمن النبيل.