يحدث فى مصر الآن

تراجم مصرية وغربية

يوسف القعيد
يوسف القعيد


هى المرة الثانية التى رأيت فيها قلب مصر يخفق، والمرة الأولى كانت يوم تنفيذ حُكم دنشواى.

هذا كتاب قديم جديد أصدرته دار المعارف بمصر، وعندما كُنا أطفالًا كانوا يقولون لنا:

- خُذ المعارِف من دار المعارف.

أما الدكتور محمد حسين هيكل فأهدى هذا الكتاب لصديقه الدكتور حافظ عفيفى باشا تقديرًا لما كان لصداقته من فضلٍ فى إقدامى على كتابة كثير من فصول هذا الكتاب.

ووفقًا للتراجم المصرية فكتب عن: كليوباترا، والخديوى توفيق، وبُطرس باشا غالي، ومصطفى كامل، وقاسم أمين، وإسماعيل صبري، ومحمود سليمان، وعبد الخالق ثروت، أما تراجم الغرب فتوقف إزاء: بيتهوفن، وويليام شكسبير، وهارييت بيتشر ستو، ومارى جدوين، ومكتوب فى الصفحة الأخيرة من هذا الكتاب أنه صدرت طبعته الأولى ديسمبر 1929. أما الطبعة التى قرأتها فقد صدرت 1980 من القرن الماضي.

يكتُب المؤلف عن مصطفى كامل باشا:

- فى عصر يوم 10 فبراير سنة 1908 بينما أنا جالس مع أحد زملائى طلبة مدرسة الحقوق الخديوية، نجلس على باب داره، جاز الطريق أمامنا رجلٌ يمتطى جوادًا، فلما كان أمامنا وقف بُرهة فحيانا وقال: أبقى الله حياتكم، الباشا توفى.

وكان زميلى من المتشيعين للحزب الوطني، فلما سمع قول الناعى سأله فى لهفة: مصطفى كامل باشا؟ فأجابه الرجل: نعم. ثم أكمل ولكم طول البقاء، وتركنا أنا وصاحبى واجمين من هول الخبر، وإذا كان حديث الباشا ومرضه والخوف على حياته بعد ما تواتر فى ذلك الحين، وبعد زمن قصير تركت صاحبى عائدًا إلى بيتى ووجدت الناس فى الشوارع والحوانيت يعانون من أثر الذهول، مما يدل على أن نعى الباشا مس قلوبهم، ودق أوتار الحزن والألم. ولم يستقر بيَّ المقام فى البيت دقائق حتى جاء زميلٌ يُبلِّغنى الخبر ويُعلن إليَّ ما قررته المجالس كلها من الاشتراك فى تشييع جنازة الزعيم العظيم.

إن يوم 11 فبراير سنة 1908 كان يوم الاحتفال بجنازة مصطفى كامل هى المرة الثانية التى رأيت فيها قلب مصر يخفق، والمرة الأولى كانت يوم تنفيذ حُكم دنشواي، ورأيت عند كل شخصٍ تقابلت معه قلبًا مجروحًا، وزورًا مخنوقًا، ودهشة عصبية، كان الحزن على جميع الوجوه، حزنٌ ساكن مستسلم للقوة، مختلط بشيء من الدهشة والذهول. ترى الناس يتكلمون بصوتٍ خافت وعبارات مُتقطعة وهيئة بائسة. منظرهم يشبه منظر قومٍ مجتمعين فى دار ميت. كأنما كانت أرواح المشنوقين تطوف فى كل مكانٍ فى المدينة.

ولد مصطفى كامل فى سنة 1874، أى فى السنة التى ولد فيها الخديوى عباس حلمى الثاني، وقد بعث به أبوه على أفندى محمد، وكان مهندسًا إلى مدرسة: أم عباس، ثم مدرسة القُربية الابتدائيتين حيث تلقى دراسته الأولى. وقد اتصف بالجرأة والاختيار اللغوى الجميل، وقد أُعجِب الجميع حتى ناظر المعارف فى ذلك الوقت بهذه الجرأة، ومنذ ذلك التاريخ بدأ ينشر رسائل ومقالات فى الصُحف.

قد يقول لى القارئ: إننا نعرف هذه المعلومات سابقًا، ولكنى أرد عليه: إن سياقها الجديد الذى يكتبه الدكتور محمد حسين هيكل باشا يجعلنا كأننا نقرأها لأول مرة، ونشعر بالزهو والفخر عند قراءتها لأنها تُشكِّل صفحات مهمة جدًا من تاريخنا علينا أن نعرفها وأن نقرأها أكثر من مرة حتى نستطيع أن نتعامل مع الحاضر، ونتطلع نحو المستقبل. كجدلية الزمان تبنى ما يتم وما قد يُستحدث على أساسٍ مما مضى وانقضى من أحداثٍ مرت بها الأمة. فقراءة التاريخ إذن تعنى الاستعداد للتعامل مع الحاضر والاقتراب من الزمن الآتي.

إن مصطفى كامل هو الذى قال عبارة ما زالت صالحة للاستخدام حتى اليوم عندما قال:

- لا معنى للحياة مع اليأس ولا معنى لليأس مع الحياة.

وهكذا استمر يجاهد حتى آخر عُمره.

ويكتُب الكاتب عن قاسم أمين الذى لا يُذكر اسمه إلا ويُذكر معه تحرير المرأة فى مصر، فارتفعت صيحته مع صدور كتابيه: تحرير المرأة، والمرأة الجديدة، وعلى آثارهما قام جدل عظيم فى المجتمع المصري، انتهى بأن خرجت المرأة للحياة، يقول عنه المؤلف إن روحه كانت روح أديب لا تستريح للسكون ولا تعرف الانزواء، بل كانت عيونه الواسعة تريد أن يرى عملية التغيير الدائمة فى المجتمع.

ولو لم يفعل شيئًا فى حياته سوى تحرير المرأة لكفاه هذا أمام محكمة التاريخ.