إن أخطر ما فى الحقيقة أنها لا تحتاج إلى صوتٍ مرتفع.. يكفيها أن تظهر فجأة، فيصمت الجميع للحظة.
وهذا تمامًا ما حدث فى الأهلى، الحقيقة لم تخرج من مكتب، ولا من بيان رسمى، ولا من مؤتمر صحفى ملىء بالعبارات المرتبة بعناية.
الحقيقة خرجت من المدرج.. والمدرج ـ لمن لا يعرف ـ ليس مجرد مقاعد حمراء تصرخ تسعين دقيقة، المدرج ذاكرة، والذاكرة حين تغضب..
تصبح أشد قسوة من الهزيمة نفسها.. فى قصة حسام البدري، كان المشهد أكبر من مجرد اسم مطروح للعودة، المسألة بدت وكأن الأهلى يقف أمام مرآته، يسأل نفسه سؤالًا قديمًا يتكرر كلما تعثّر: هل نهرب إلى الماضى.. أم نخترع المستقبل؟
وهنا انقسم الناس.. هناك من يرى أن الأزمات تُحل بالأسماء القديمة، كما يعود رجل خمسينى إلى معطفٍ ارتداه فى الجامعة معتقدًا أنه ما زال يمنحه الوسامة نفسها.
لكن كرة القدم ـ مثل الأيام ـ لا تعترف بالعاطفة كثيرًا.
والمشكلة ليست فى حسام البدرى كشخص، ولا فى تاريخه الذى لا يستطيع أحد إنكاره، أو مواقفه التى أغضبت منه الجماهير عندما تخلى عن الأهلى وهو فى حاجة ماسة إليه؛ بل فى الفكرة نفسها.. فالأندية الكبيرة حين تخاف.. تموت ببطء.. والأهلى لم يصبح الأهلى لأنه كان الأكثر حنينًا، بل لأنه كان الأكثر قدرة على التجدد حتى وهو ينتصر.. الجمهور فهم هذه النقطة ببساطة مذهلة.. ولذلك جاء رفضه حادًا وواضحًا.. لم يهتف فى المدرجات ضد رجل، بل ضد «العودة للخلف» باعتبارها مشروع إدارة.. كان الهتاف هذه المرة أقرب إلى رسالة فلسفية منه إلى اعتراض كروي.. كأن المدرج يقول: «لا تجعلوا النادى الكبير يعيش على الذكريات.. لأن الذكريات لا تحرز أهدافًا.»..
وهنا تحديدًا ظهرت قيمة جمهور الأهلى ؛ فالجماهير عادةً تُتهم بأنها أسيرة العاطفة، لكن ما حدث أثبت العكس.. المدرج كان أكثر عقلًا من بعض الذين جلسوا خلف المكاتب يتحدثون عن «الاستقرار» و»أبناء النادي» و»المرحلة الصعبة».. والحقيقة أن هذه المصطلحات غالبًا ما تُستخدم فى الكرة المصرية مثل المسكنات القديمة: تخفف الألم قليلًا، لكنها لا تعالج المرض.
ثم جاءت حكاية «توروب».. وهنا تصبح الرواية أكثر سخرية.. لأن الرجل لم يغضب من هزيمة، بل غضب من صورة.. والصور - كما يحب أن يقول الفلاسفة - كائنات وقحة، لا تعرف المجاملة.. كتبتُ سابقا أن عادل مصطفى كان حاضرًا بقوة فى لحظة التحول، خلال كلاسيكو البعث الكروى بين الأهلى والزمالك.. وأن بصمته ظهرت بوضوح فى المشهد.. لم أقل إنه المدير الفنى الرسمي، ولم أكتب أن توروب اختفى، لكننى وصفت ما رأيته..
وربما كانت المشكلة أننى كتبت ما رآه الناس أيضًا، فخرج توروب إلى المؤتمر الصحفى مرتبًا الجمل بعناية، دبلوماسى يقرأ بيانًا وقال إنه المسئول الأول، وأن عادل مصطفى مجرد عنصر مساعد.. هو «رقم ثلاثة» بالجهاز الفنى كما وصفه.. جميل جدًا.. لكن السؤال الذى ظل معلقًا فى الهواء: إذا كان مجرد رقم ثلاثة..
فلماذا بدا فى لحظة التحول وكأنه الرجل الأكثر حضورًا على الخط؟.. هنا تتورط اللغة.. لأن اللغة تستطيع أن تغيّر التوصيف، لكنها لا تستطيع تغيير المشهد..
الكاميرا التقطت شيئًا واضحًا: رجلا يتحرك بثقة، يشير باستمرار، يتدخل فى توقيت حساس، ويتصرّف كمن يشارك فعلًا فى صناعة القرار..
وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.. ليس لأن هناك من ساعد توروب ؛ فالمدربون الكبار أنفسهم يستعينون بعشرات العقول حولهم، ولكن لأن التصريح حاول إنكار ما رأته العيون..
وهذه معركة خاسرة دائمًا.. أن تدخل فى جدال مع صورة.. يشبه أن تحاول إقناع الناس بأن الشمس لم تشرق رغم أنهم رأوا الضوء.. توروب أراد أن ينتصر بالكلمات، لكن الصورة كانت قد حسمت الجولة مبكرًا، ولهذا بدا المشهد كله ساخرًا..
الرجل يقف أمام الميكروفونات ليشرح، بينما الحقيقة تقف خلفه على الشاشة العملاقة دون أن تتكلم.. وفى الحالتين ـ حالة البدرى وحالة توروب ـ كان هناك طرف واحد يقول ما يشعر به بوضوح كامل: المدرج.. الجمهور رفض فكرة العودة للخلف.. والصورة رفضت فكرة احتكار البطولة..
أما الميكروفونات؛ فكانت تحاول فقط أن تلحق بالحقيقة بعد فوات الوقت.. ولهذا أقولها مطمئنًا: عفوًا توروب.. عفوًا البدري؛ حين يتكلم المدرج، وترى الجماهير بأعينها، تصبح التصريحات مجرد أصواتٍ متأخرة تصل بعد انتهاء المشهد!!

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







