مصرنا

كيف تحمى مصر نفسها من عاصفة الاقتصاد العالمى؟

شحاته زكريا
شحاته زكريا


فى زمن لم تعد فيه الأزمات تُعلن عن نفسها بل تتسلل كتيارات خفية تعصف بالأسواق قبل أن ترى لم يعد السؤال: هل نتأثر؟ بل كيف نقلل كلفة التأثر فى عالم فقد توازنه؟.


الاقتصاد العالمى اليوم لا يتحرك وفق منطق الحسابات الهادئة بل تحت ضغط صراعات مفتوحة ومصالح متشابكة وأدوات نفوذ لم تعد تقف عند حدود السياسة بل تمتد إلى لقمة العيش ذاتها..

فى هذا المشهد المضطرب لا تملك دولة رفاهية الوقوف على الهامش لكن الفارق الحقيقى لا يقاس بقدرة الدول على تجنب العاصفة بل بقدرتها على العبور خلالها دون أن تفقد تماسكها أو اتجاهها..

مصر بحكم موقعها وثقلها ليست بعيدة عن هذا الارتداد العالمى لكنها فى الوقت ذاته ليست بلا أدوات ففى عالم يعيد ترتيب أوراقه لم تعد الحماية تبنى على الانغلاق بل على القدرة على قراءة التحولات قبل اكتمالها والتعامل معها بمرونة لا تفقد القرار صلابته..

الرهان اليوم لم يعد على النجاة المؤقتة بل على تثبيت موقع داخل خريطة تتشكل من جديد. خريطة لا تدار فقط بحجم الاقتصاد بل بقدرة الدولة على الحفاظ على توازن دقيق بين الانفتاح والحذر بين الحركة المحسوبة والثبات الواعى. فالعالم لم يعد يكافئ من يندفع بلا حساب ولا من يتجمد خوفًا من المجهول بل من يجيد إدارة المسافة بين الاثنين..

الضغوط التى تضرب الاقتصاد العالمى لم تعد مجرد أرقام فى تقارير دولية بل واقع ينعكس على حركة الأسواق واتجاهات الاستثمار وسلوك الأفراد. وهنا يصبح التحدى أكثر عمقا: كيف يمكن الحفاظ على استقرار داخلى فى ظل بيئة خارجية شديدة التقلب؟ الإجابة لا تكمن فى تجنب التأثر فهذا لم يعد ممكنًا بل فى امتلاك القدرة على امتصاص الصدمات دون أن تتحول إلى أزمات ممتدة.


فى هذا السياق تبرز قيمة القرار الهادئ فاللحظات الصاخبة لا تحتاج إلى ردود أفعال صاخبة بقدر ما تحتاج إلى عقل يزن الأمور بعيدًا عن الانفعال. الدول التى تتعامل مع الأزمات بمنطق الارتباك تدفع كلفة مضاعفة بينما تلك التى تدير المشهد بهدوء محسوب تخلق لنفسها مساحة آمنة داخل الفوضى ولأن الاقتصاد لم يعد منفصلًا عن السياسة فإن إدارة العلاقات الدولية أصبحت جزءًا من معادلة الحماية.


العالم يتجه نحو تعددية فى مراكز القوة ولم يعد الاعتماد على اتجاه واحد كافيًا أو آمنًا. القدرة على التحرك فى مساحات متعددة دون الانزلاق إلى صراعات تمنح الدولة مرونة استراتيجية تقلل من أثر التقلبات.


لكن يبقى العنصر الأهم ذلك الذى لا يُقاس بالأرقام: الثقة.


الثقة ليست شعارًا بل حالة عامة تترجم إلى استقرار فى التوقعات وهدوء فى ردود الفعل وقدرة على الاستمرار رغم الضغوط. حين تتماسك الثقة يصبح الاقتصاد أكثر قدرة على التنفس حتى فى أصعب الظروف.. فى النهاية لا توجد دولة بمنأى عن العاصفة ولا توجد وصفة سحرية للحماية الكاملة.


لكن الفارق يظل واضحًا بين من يترك نفسه لتقلبات الموج ومن يتعلم كيف يبحر داخله دون أن يغرق.. مصر لا تحتاج إلى أن تهرب من الأزمة بل إلى أن تُحسن الوقوف فى قلبها.


فالعالم الذى يتغير الآن لن ينتظر أحدًا ولن يمنح الفرص إلا لمن يدرك أن الثبات فى زمن الاضطراب ليس ضعفًا بل أعلى درجات القوة.