إنها مصر

اكتب لبناتك حقهن ولو «شق تمرة»!

كرم جبر
كرم جبر


كتبتها قبل ذلك وأكررها، اكتب لبناتك حقهن، ولو كان «شق تمرة»،لحمايتهن من الطمع والجشع ، وبعد عمر طويل،لا تجعل البهدلة ميراثا، فنحن نعيش أياما سوداء،ماتت فيها الضمائر واستيقظت الوحوش.


لا أتحدث عن مجرد ممتلكات مادية، بل عن الأمان، وعن الكرامة، وعن حق أصيل فى العيش دون خوف، من اطماع متربصة أو نيات خفية، والحكايات الواقعية حزينة عن بنات وجدن أنفسهن بعد رحيل الأب، فى مواجهة قسوة لم تكن فى الحسبان، وأقارب يتحولون فجأة إلى خصوم، وحقوق تُؤكل باسم العادات والتفسيرات الملتوية، وحياة تنقلب من استقرار إلى قلق وصراع.


الأمر ليس تشاؤما، بل قراءة واقعية لأيام تغيّرت فيها الموازين، فأصبح الضعيف صيدا سهلا، والنساء تحديدًا عرضة للضغط والمساومة، وفى مثل هذا المناخ لا يكفى أن نُحسن التربية أو نغرس القيم، بل أن نُحصّن الحقوق بالقانون والوضوح.


أن تكتب لبناتك نصيبهن العادل، يعنى أنك تترك لهن سندا بعد غيابك، ودرعا يحميهن ،وهو قرار شجاع، ربما صعب فى بعض البيئات، لكنه فى جوهره تعبير عن مسئولية لا تنتهى بالموت، بل تمتد لتأمين السلام النفسى، وأنك تخطّ بيدك وثيقة أمان تتجاوز حدود الغياب.


قد تتبدل القناعات وتتباين الرؤى، لكن تبقى الحقيقة، أن من يحب حقا هو من يحمى، ومن فقه قسوة الواقع يدرك أن حب الأبناء لا يتجسد فى تدليلهم بل فى التربية على القناعة ، ولتكن اختياراتكم اليوم صمام أمانهم فى الغد، وكلماتكم ودعمكم هى الطمأنينة التى يستندون إليها حين يشتد الزمان.


يختلف الناس وتتباين الآراء، ويحاول البعض تبرير أطماعهم بآراء وفتاوى ينسبونها للدين، والدين من زيفهم براء،والحقيقة التى لا تقبل التأويل أن من يفهم قسوة الواقع يدرك أن الحماية ،ليست فى عزلهم عن الحياة، بل فى تمليكهم القدرة على مواجهتها، فالحياة لا ترحم الضعفاء، والزمان متقلب ولا يُؤتمن جانبه، ومن يترك ابنته ضعيفة، تحت مسميات الستر الواهية، فإنه يعرضها لأقسى أنواع الضياع.


وبعد كل ما أرى وأسمع، لم تعد القضية شأنا خاصا داخل جدران البيوت، بل مؤشرا على مدى تحضّر المجتمع وقدرته على صون كرامة نصفه الآخر، وتبدو النصيحة أقرب إلى جرس إنذار، لا إلى إجراء احترازى عادى،لأن الطمع لا ينتظر، والصراعات العائلية كثيرا ما تبدأ قبل أن يغيب السند.


حماية النساء ليست ترفا فكريا أو شعارا دعائيا، بل ضرورة إنسانية وحضارية ودينية، يتوقف عليها تماسك المجتمع ذاته، فلا وطن يكتمل تعافيه إذا كانت المرأة مهددة أو منقوصة الحقوق.


العدل يبدأ من بيوتنا ، وعندما يرى الابن أباه ينصف أخواته ويحترم حقوقهن، ينشأ رجلاً يؤمن بالعدل كفطرة، وعندما تشعر البنت بأن بيتها هو درعها الأول، تخرج للمجتمع قوية وواثقة .