تلك الأيام لم تكن مجرد موسم زراعى، بل كانت مدرسة فى التعاون والانتماء وقيمة العمل، حيث كانت القرية تعيش على خير أرضها بروح تكافل تجعل الجميع أسرة واحدة .
أشتاق إلى السودان الحبيب، تلك الدولة التى ارتبطت بزياراتى الدورية مرتين كل عام، إما لمتابعة فيضان النيل أو لحضور اجتماعات سد النهضة، واجتماعات الهيئة الفنية الدائمة المشتركة لمياه النيل، ذلك الكيان الذى يمثل ذراعًا فنية مهمة للتنسيق بين مصر والسودان فى إدارة هذا الشريان الحيوى. لم تكن تلك الزيارات مجرد مهام عمل، بل كانت تجربة إنسانية ومهنية ثرية، جمعت بين العلم والميدان، وبين العمل والذكريات.
فى السودان، للنيل طعم مختلف، ومشهد الفيضان يحمل رهبة وجمالًا فى آن واحد. كنا نجوب ضفافه، ونستقل القوارب وسط مياهه المرتفعة، حيث يختلط لون الطمى بالمياه، فى لوحة طبيعية تعكس عظمة هذا النهر. ومع اشتداد الفيضان، كان لون المياه يتحول إلى اللون البنى الكثيف بفعل الطمى القادم من أعالى النهر، فى مشهد يعلن قدوم موسم الخير. وكان الأشقاء السودانيون يصرون على أن نشرب من هذه المياه، مؤمنين بأنها مباركة وشفاء من الأمراض، فى تعبير صادق عن عمق ارتباطهم بالنيل وإيمانهم بأنه مصدر للحياة والبركة.
بعيدًا عن الأضواء، يعمل عشرات الجنود المجهولين يوميًا على رصد حركة المياه، حيث رافقت بعثة الرى المصرى فى مواقع عدة من الخرطوم إلى سنار والروصيرص، وشاهدت كيف تُقاس المناسيب والتصرفات بدقة، وترسل البيانات يوميًا فى تقارير تمثل أحد أهم مفاتيح الأمن المائى لمصر. وعند «المقرن» فى الخرطوم، حيث يلتقى النيلان الأزرق والأبيض، تتجسد أهمية هذا الموقع فى حساب كميات المياه المتجهة شمالًا، خاصة فى ذروة الفيضان خلال أغسطس وسبتمبر.
ولم تكن الرحلات عملًا فقط، بل حملت لحظات إنسانية لا تنسى، من جلسات «شاى الغزالتين» على ضفاف النيل وقت الغروب، ولقاءات دافئة مع أصدقاء من السودان، كان بينهم من يرافقنا منذ لحظة الوصول وحتى المغادرة، فى مشهد يعكس عمق العلاقات بين الشعبين.
وتبقى تلك التجارب محفورة فى الذاكرة، بين ميدان العمل ودفء الإنسان، ليظل السودان بالنسبة لى أكثر من محطة مهنية، بل مساحة ممتدة من الذكريات، ونهرًا يختزن حكاية لا تنتهى.
ورغم جمال هذه الذكريات، لا أنسى تلك الساعات القليلة التى عشت فيها واحدة من أصعب التجارب، حين كنا على متن قارب صغير فى النيل الأزرق أثناء الفيضان، يتقاذفه تيار شديد كاد يدفعنا نحو الضفاف أو يصطدم بنا فى أجسام الكبارى، ولم ينجنا سوى عناية الله. هناك فقط أدركت أن النيل ليس كما نراه فى مصر، بل قوة هائلة تحمل الحياة والخطر معًا.. وسط هذا المشهد، تأكد لى أن النيل سيظل دائمًا رابطًا يجمع شعوبًا قد تفرقها السياسة، لكنه يبقى شريان حياة لا ينقطع، يحمل فى مياهه سر النماء منذ آلاف السنين.
مواسم القمح.. ذاكرة الخير
ما إن يقترب موسم حصاد القمح، حتى كانت قريتى الهنداو فى مركز الداخلة بمحافظة الوادى الجديد ترتدى ثوبًا مختلفا، وتستعد لأيام من العمل والفرحة والتكافل، حيث يتحول الحصاد إلى مناسبة اجتماعية كبرى تتجسد فيها معانى المحبة والترابط بين أبناء القرية.
فى طفولتنا، كان يوم الحصاد يبدأ قبل شروق الشمس. كان جدى، رحمه الله، يوقظنا مع أول خيوط الفجر، ويستدعى الأقارب والجيران للمشاركة فى جمع المحصول. وبعد صلاة الفجر، تتجه الأقدام إلى الحقول، حيث تمتد سنابل القمح الذهبية فى مشهد يبعث البهجة والرضا.
هناك، يبدأ الجميع العمل فى صمت ممزوج بالحماس؛ رجال يحملون المناجل، وآخرون يجمعون الحزم، وصبية يشاركون بما يستطيعون، بينما تتحرك العربة الكارو لنقل المحصول إلى الجرن، حيث يتم تجميع الغلال. وكان العمل يمتد لساعات طويلة تحت حرارة الشمس، لكن أحدا لم يكن يشعر بالتعب، لأن الجميع يدرك أن هذا اليوم هو يوم الخير والرزق.
ومع غروب الشمس، تبدأ مرحلة أخرى من الكرم الأصيل. كان جدى يعتبر أن من شارك فى الحصاد له حق فى التكريم، فيقيم مأدبة عشاء كبيرة غالبا ما تكون بذبيحة أو أكثر. وكان يكلفنى بالدراجة القديمة لجمع المتأخرين، فالعشاء كان تقليدًا لا يجوز التخلف عنه، ومن يتأخر يجد من يدعوه بمحبة.
وبعد الحصاد، تبدأ رحلة انتظار جرار القرية الوحيد الذى كان يمتلكه الحاج صالح، لفصل حبوب القمح عن السنابل فى عملية الدراس، بينما يُجمع التبن لاستخدامه علفا للماشية. وكان يوم الدراس شاقا، تتصاعد فيه الأتربة وتعلو أصوات الرجال فى تناغم حتى تكتمل المهمة.
ثم تُجمع حبوب القمح وتُنقل إلى البيت لتخزينها فى «بيت الخزانة»، وهو مخزن الطوب اللبن الذى يحتفظ بمحصول الأسرة من القمح والأرز والبصل وزريعة البرسيم. ومنه كانت تخرج احتياجات البيت شهريا، فى نظام بسيط قائم على الإنتاج والادخار والاكتفاء الذاتى.
كنا نحمل القمح إلى الطاحونة لطحنه دقيقا يكفينا شهرا، وكذلك الأرز للاستهلاك المنزلى، وكانت الأسرة تعتمد على ما تنتجه الأرض دون حاجة كبيرة إلى الأسواق.
أما أكثر الأيام انتظارا لنا نحن الأطفال، فكان يوم الخبيز، حين تتحول ساحة البيت إلى ورشة عامرة بالدفء، وتُعجن الأرغفة ويُخبز العيش الشمسي. وكنا ننتظر «الجولة « وهى بقايا الدقيق التى تُجمع لتصنع منها أرغفة صغيرة للصغار.
وحين تخرج الأرغفة ساخنة، كنا نفتحها ونضع بداخلها السمن البلدى والسكر، فنحصل على طعم لا يُنسى، ممزوج ببراءة الطفولة وبساطة الحياة.
تلك الأيام لم تكن مجرد موسم زراعي، بل كانت مدرسة فى التعاون والانتماء وقيمة العمل، حيث كانت القرية تعيش على خير أرضها بروح تكافل تجعل الجميع أسرة واحدة.
واليوم، رغم تغير الحياة فى الريف، تبقى ذكريات الحصاد فى الهنداو شاهدة على زمن جميل، كان فيه القمح ذهبا، والمحبة أغلى من الذهب.
العداد والوسواس
فى زحام ما يتداول يوميًا من أخبار وشكاوى عن العدادات الكودية ونظام المحاسبة الجديد، وتحديدًا ما أُثير حول المحاسبة بسعر موحد 2٫74 جنيه للكيلو وات/ساعة، وجدت أن الجدل يعكس حالة قلق لدى المواطنين أكثر من كونه اعتراضًا على القرار نفسه، فى ظل شعور عام بغياب مسار واضح وميسر لتوفيق الأوضاع.
وفى خضم هذا الجدل، وجدت نفسى أعيش حالة شخصية لا تخلو من التوتر، رغم أن عدادى الكارت يعمل بشكل طبيعى ومنذ سنوات على نظام الشرائح، وقد سددت المقايسة بالكامل وثمن العداد ومعتمد دون مشكلات. ومع ذلك، كلما تصفحت مواقع التواصل أو سمعت شكوى من أحد الأصدقاء أو المعارف عن تحول العداد إلى شريحة موحدة، يتسلل إلىّ نوع من الوسواس الصحفى الغريب، فأجد نفسى أتحرك لا إراديًا نحو العداد فى البيت، أقلبه يمينًا ويسارًا، وأتأكد أنه ما زال يعمل بنظام الشرائح، ثم أتنفس الصعداء وأطمئن.
ومن زاوية أوسع، فإن من حق الدولة أن تنظم هذا الملف، وأن تحصل على مستحقاتها، وأن توجه الدعم إلى مستحقيه، لكن من حق المواطن أيضًا أن يجد حلولًا مرنة تقلل الأعباء، مع تبسيط إجراءات التقنين ومنح مهلة انتقالية مناسبة تسمح له بتوفيق أوضاعه دون ارتباك أو مفاجآت.
ورغم هذا الإطار العام، فإن الضجيج المتكرر على مواقع التواصل جعلنى أكثر حساسية تجاه أى خبر أو تعليق، وكأن كل شكوى تتحول إلى احتمال شخصى يطاردنى. هى حالة بين وعى مهنى بما يُثار فى الشارع، وقلق إنسانى بسيط يتسلل مع كثرة الحديث، حتى صار العداد فى لحظات وكأنه مؤشر يومى على الطمأنينة أو القلق، رغم أنه فى الحقيقة ما زال كما هو، يعمل بنظام الشرائح بلا تغيير .

الحرب أرزاق يا عم « شيلكوت»
سر اختفاء المطابخ من بيوت مصر!
عظيمة يا مصر





