خير راغب يكتب: «نيرك».. من «فكرة» في بكين إلى «قلعة صناعية» بشرق بورسعيد

الكاتب الصحفي خير راغب
الكاتب الصحفي خير راغب


في مشهدٍ جسّد تلاحم الرؤية السياسية بالقدرة التنفيذية، شهدت احتفالات عيد العمال محطة فارقة في تاريخ الصناعة الثقيلة المصرية؛ حيث افتتح الرئيس عبد الفتاح السيسي مصنع الشركة المصرية الوطنية لصناعات السكك الحديدية (نيرك).. هذا الصرح ليس مجرد مصنع، بل هو ذراع مصر الاستراتيجية لتوطين صناعات الجر الكهربائي وسكك الحديد، ومواكبة النهضة الشاملة في شبكات النقل الحديثة من (قطار سريع، مونوريل، مترو، وترام)، إضافة إلى تطوير أسطول السكك الحديدية التقليدية.

بهذا الإنجاز، تقتحم مصر نادي الكبار، لتصبح الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط وإفريقيا التي توطن هذه الصناعة الدقيقة، التي ظلت لعقود حكراً على قوى عظمى مثل الولايات المتحدة والصين وأوروبا. 

اليوم، بأيدي أبنائها، لم تعد مصر تكتفي بتلبية احتياجاتها المحلية فحسب، بل تضع نصب أعينها التحول نحو التصدير للعالم.

خلف هذا النجاح قصة إصرار بدأت ملامحها خلال قمة (الصين - إفريقيا) بالعاصمة بكين عام 2018.. تعود الذاكرة إلى زيارة ميدانية لـ "قدس أقداس" الصناعة الصينية — مصنع القطارات السريعة — رفقة الصديق المهندس هاني شاهين، والفريق عبد المنعم التراس (رئيس الهيئة العربية للتصنيع آنذاك).

هذا المصنع الصيني الذي تأسس نهاية الألفية الثانية بالشراكة مع "سيمنز" الألمانية، كان نموذجاً ملهماً؛ حيث سمح عقد الشراكة للصين بالحصول على "حقوق المعرفة" (Know-how) بعد 20 عاماً من التعاون، لتصبح الصين اليوم القوة العظمى الأولى في هذا المجال.

خلال تلك الجولة، طرحتُ تساؤلاً على الفريق التراس: "لماذا لا ننشئ مصنع (سيماف 2) متخصصاً في عربات الجر الكهربائي؟" خاصة وأن "سيماف" العريقة تتركز قوتها في عربات الديزل. لاقت الفكرة حماساً كبيراً، وعززها المهندس شاهين بمقترح أن يكون المشروع مستقلاً وقائماً على الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

تطورت الفكرة بانضمام المهندس رفقي كامل، ومنه انتقلت الشعلة إلى المهندس كريم سامي سعد (رئيس مجلس إدارة نيرك حالياً)، الذي أصر على أن يكون مقر المصنع في شرق بورسعيد بسيناء الغالية. 

وتشرفتُ حينها بإعداد الدراسة المبدئية للمشروع، مستعرضاً مكاسبه الاقتصادية والاستراتيجية.

وفي نهاية عام 2020، تبنى الفريق كامل الوزير، وزير النقل، المشروع بالكامل، مؤمناً بدوره في مستقبل النقل بمصر. تم تأسيس شركة "نيرك" بشراكة استراتيجية بين وزارة النقل (ممثلة في هيئة السكة الحديد) وتحالف من شركات القطاع الخاص الكبرى.

نيرك في أرقام

المساحة: 300 ألف متر مربع في منطقة شرق بورسعيد المتكاملة.
 
التخصص: تصنيع كافة أنواع عربات الركاب (كهرباء وديزل).
 
الإدارة: يتولى إدارة هذا الصرح المهندس أحمد المفتي (حفيد الدكتور أنور المفتي، طبيب الرئيس الراحل جمال عبد الناصر).

كلمة خيرة:

إن نجاح الصين في غزو الأسواق العالمية، بما فيها أمريكا وأوروبا، لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج مشروع استراتيجي بدأ قبل ثلاثة عقود.. ومصر اليوم ليست بعيدة عن هذا النموذج؛ فبفضل شراكاتنا مع ألمانيا، إسبانيا، الصين، وأمريكا، ومن خلال التكامل بين "نيرك" و"سيماف"، نحن نمضي قدماً نحو تحويل مصر إلى مركز لوجستي وصناعي عالمي، تنفيذاً لاستراتيجية الدولة في توطين الصناعة وجعل "صنع في مصر" علامة جودة في سوق الجر الكهربائي العالمي.

* كاتب المقال مدير تحرير المصري اليوم