ترامب أبلغ الكونجرس أن «الحرب انتهت»، وقبلها بيوم واحد كان يتوعد بعاصفة تقتلع إيران، وهذا التناقض هو سمة أساسية فى طريقته فى إدارة الأزمات، وإذا نظرنا إلى ما يجرى على الأرض، نجد أن انتهاء الحرب فعليا، أقرب للتصديق من لغة التهديد، لأن ترامب ونتنياهو ضربا إيران بكل أسلحة الدمار، دون دفعها للاستسلام.
ما حدث يكشف أن القوة العسكرية، مهما بلغت، ليست كافية وحدها لحسم الصراع، مع دولة تمتلك قدرا من الصلابة السياسية والعسكرية، فقد استخدمت الولايات المتحدة وإسرائيل كل أدوات ضغط، من ضربات عسكرية إلى تهديدات غير مسبوقة، ولم يظهر مؤشر حقيقى على التراجع، والواقع يقول إن الخيارات بدأت تنفد، وأن سقف التصعيد وصل إلى حد من الصعب تجاوزه.
واللافت أيضا أن التحول الحاد فى المطالب الأمريكية، من القضاء على الخطر النووى والصواريخ والمسيرات، إلى التركيز فقط على فتح مضيق هرمز، يعكس ارتباكا أكثر منه استراتيجية واضحة، خاصة أن المضيق لم يكن مغلقا أصلا، ما يجعل القضية محاولة لإيجاد مبرر جديد للاستمرار فى الضغط دون تصعيد عسكرى مباشر.
ثم يأتى خيار الحصار، الذى لجأ إليه ترامب، كبديل عن استمرار الحرب، وهو ليس جديدا، وإيران تخضع لعقوبات قاسية منذ سنوات طويلة، شملت تجميد أصول مالية ضخمة وقيودا اقتصادية خانقة، ومع ذلك لم تحقق تغيير النظام أو إضعافه، بل على العكس، كثيرا ما تؤدى هذه الضغوط إلى زيادة التماسك الداخلى وتعزيز خطاب التحدى.
والتاريخ يؤكد أن سياسة الحصار الأمريكية، لم تفلح يومًا فى «تغيير الأنظمة»، فقد استمر حصار القذافى أحد عشر عاما، ولم يسقط إلا مع رياح «الجحيم العربي»، وفى كوبا، صمد النظام أمام أطول حصار فى التاريخ الحديث دون تنازلات تذكر، أما فى كوريا الشمالية، فقد أدى الحصار إلى نتيجة عكسية، وتحولت الى قوة نووية.
وفى الداخل الأمريكى، لا يمكن تجاهل الضغوط السياسية التى يواجهها ترامب، والتى قد تصل إلى حد الإطاحة به قبل أن يكمل فترته الرئاسية، إضافة إلى أن التداعيات الاقتصادية للصراع، لم تقتصر على طرف دون آخر، بل أثرت على الاقتصاد العالمى، وزادت الضغوط على الإدارة الأمريكية.
أما على مستوى المنطقة، فقد كشفت الأزمة عن تغيرات عميقة فى موازين الثقة والتحالفات، وبعض الدول بدأت تعيد التفكير فى اعتمادها الكامل على مظلة الحماية الأمريكية، وتسعى لفتح قنوات جديدة للتعاون الأمنى، مما تكون له آثار طويلة المدى على النفوذ الأمريكى، خاصة فى مجال صفقات السلاح.
وفى النهاية يمكن القول إن ترامب أضر الجميع بما فيهم أمريكا، وما حدث لحظة كاشفة، أعادت التفكير فى كثير من السياسات فى المنطقة.. ربما تتوقف الحرب، لكن آثارها كتوابع الزلزال، وتحمل تغييرات أعمق، ومفاجآت أكبر مما يتوقعه الجميع .


٢٣ يوليو.. وذاكرة الوطن
البلطجة فى ثوبها الجديد!
قواعد اللعبة.. هل تغيرت؟!






