إنهــا مصـــــــر

«نمبر وان».. قمة وهمية

كرم جبر
كرم جبر


عبارة «نمبر وان»، فى أصلها، تشير إلى الشخص الذى يحتل المركز الأول فى مجاله، نتيجة اجتهاده وتميزه، غير أن المشكلة تبدأ حين تتحول الى إدمان للشهرة ، وهوس يسيطر على بعض العقول، فيصبح الهدف ليس النجاح ذاته، بل إعلانه بصوت مرتفع، وأحيانًا على حساب التقليل من الآخرين أو هدمهم.

ولا يتوقف الأمر عند الأفراد، بل يمتد إلى الدول ، فهناك قوى كبرى فى العالم تسعى لاحتكار موقع الصدارة، وليس الاكتفاء بالتفوق السياسى أو الاقتصادى أو العسكرى، وتحاول فرض هيمنتها ورؤيتها وثقافتها، بوصفها المعيار الوحيد للتقدم، وهذا السلوك يخلق حالة من التوتر والصراع، وترفض الشعوب أن تكون مجرد تابع، وتسعى لإثبات حضورها واستقلالها.

 والسعى المحموم  نحو «المركز الأول»،  يجسد انعكاسًا لقلق عميق، فبدل أن تكون المنافسة وسيلة للتطور والسعى المشترك، تتحول إلى صراع يسعى فيه كل طرف لإقصاء الآخر، وتسود عقلية «أنا ولا أحد»، التى تتجاهل حقيقة أن القمم يمكن أن تتسع للجميع، وأن التعددية ليست ضعفًا، بل مصدر قوة وثراء.

لكن السؤال الأهم: مَن الذى يمنح لقب «الأفضل»؟، هل هو مَن يعلنه لنفسه، أم مَن يفرضه بالقوة؟.. يخبرنا التاريخ أن هذا اللقب لا يُمنح بالدعاية ولا يُنتزع بالصخب والضجيج، بل حين تصبح التجربة نموذجًا يُحتذى به، فالدولة أو الفرد الذى يحقق التقدم الحقيقى، هو مَن يجذب الآخرين إليه طواعية واقتناعًا، وأفكارًا ملهمة تستحق المحاكاة.

وهذه الظاهرة نراها بوضوح فى كل المجالات، فى الفن النجم الذى يرى نفسه المتربع على عرش الإيرادات، وفى الرياضة اللاعب الذى يرى أن الجماهير تتغنى بمهاراته، وفى السياسة القائد الذى يظن أن الحكمة وُلدت على يديه، وحتى «البلوجرز» والمؤثرون وتكالبهم لانتزاع الترند. 
 وهذا الإصرار الدائم على تصدر المشهد منفردًا، يؤدى إلى إيغال صدور الآخرين، والمبالغة فى الاعتزاز بالذات وتهميش الآخرين، ويخلق الكراهية والترصد، ويحول التنافس الشريف إلى معارك شخصية يسودها التوتر والغيرة.

 إنه زهو الغرور، وغالبًا ما يفسره علماء النفس على أنه «آلية دفاع»، لإخفاء شعور عميق بنقص الأمان، أو الرغبة المحمومة فى نيل الاعتراف من الآخرين، وصاحب عقلية «نمبر وان» يرى الحياة كـ «هرم مقلوب»، ويظن فيه أن القمة مُدببة لا تسع إلا لشخصه، بينما الحقيقة هى أن النجاح ليس «كعكة» تنقص إذا أكل منها غيره.. فضاء رحب يمكن أن يلمع فيه أكثر من نجم، دون أن يطفئ أحدهم نور الآخر.

اللقب الحقيقى يمنحه الجمهور، والأثر الذى يتركه الإنسان، والناس هم مَن يرفعون الشخص إلى القمة، أما مَن يحاول انتزاعها بالصوت العالى، فغالبًا ما يجد نفسه وحيدًا فوق «قمة وهمية».