نوال سيد
يمثل قرار دولة الإمارات العربية المتحدة بالخروج من منظمة أوبك، لحظة مفصلية فى توازنات الطاقة والسياسة فى الشرق الأوسط، إذ لا يمكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها مجرد خيار اقتصادى يهدف إلى زيادة الإنتاج أو تعظيم الأرباح، بل هى تحرك سياسى محسوب يعكس تحولات أعمق فى طبيعة التحالفات الإقليمية، خاصة فى ظل الحرب الدائرة مع إيران.
فالقرار يأتى فى سياق توترات متراكمة حول حصص الإنتاج داخل أوبك، وهى خلافات لم تكن جديدة، لكنها ظلت لسنوات تحت السيطرة بفعل التوافقات الاستراتيجية الأوسع، لا سيما فى مواجهة التهديد الإيرانى. غير أن اندلاع الحرب الأخيرة، وما رافقها من هجمات إيرانية مكثفة على دول الخليج، أعاد ترتيب الأولويات وكشف عن تباينات حادة فى كيفية التعامل مع هذا التهديد.
الإمارات، التى تعد من أكثر الدول الخليجية تعرضًا للهجمات الإيرانية، حيث تصدت لأكثر من 2200 طائرة مسيرة وصاروخ، تبنت موقفًا أكثر تشددًا، ودعت إلى رد عسكرى مشترك من قبل دول مجلس التعاون. إلا أن هذا التوجه لم يحظَ بإجماع داخل مجلس التعاون الخليجى، الذى يضم أيضًا السعودية وقطر وعمان والبحرين والكويت، إذ سادت مخاوف من أن أى تصعيد قد يفسر على أنه انحياز مباشر إلى جانب إسرائيل، وليس مجرد دفاع عن النفس.
فى ظل هذا العجز عن تحقيق تضامن سياسى، يبدو أن الإمارات قررت التخلى عن أحد أهم أطر التضامن الاقتصادى فى المنطقة، أى أوبك، والانتقال إلى سياسة أكثر استقلالية، تقوم على تعظيم حرية القرار فى إنتاج النفط والتأثير المباشر فى الأسواق العالمية. ووفقًا لشركة أدنوك، فإن أبوظبى تخطط لزيادة إنتاجها من 3.4 ملايين برميل يوميًا قبل الحرب إلى 5 ملايين بحلول عام 2027، وهو ما يعكس طموحًا واضحًا لتعزيز دورها كمنتج مرن قادر على موازنة السوق.
غير أن هذا الطموح يواجه تحديات واقعية، خاصة بعد إغلاق مضيق هرمز، الذى أدى إلى تراجع الإنتاج الإماراتى بنسبة 44% ليصل إلى 1.9 مليون برميل يوميًا فى مارس. كما أن الحرب مع إيران تسببت فى تراجع إجمالى إنتاج أوبك بمقدار 7.88 ملايين برميل يوميًا، أى انخفاض بنسبة 27% إلى 20.79 مليون برميل، وهو أكبر تراجع تشهده المنظمة منذ عقود، ما يسلط الضوء على حجم الاضطراب فى أسواق الطاقة.
على الصعيد السياسي، يظهر هذا الانسحاب الإمارات كقوة خليجية صاعدة تسعى إلى إعادة تعريف دورها. كما أن القرار يعزز التقارب بين أبوظبى وواشنطن، خاصة مع الرئيس دونالد ترامب، الذى طالما انتقد أوبك، ما قد يمنح الإمارات مزايا استثمارية وسياسية إضافية.
هذا التقارب مع الولايات المتحدة يعكس أيضًا اعتماد الإمارات المتزايد على الضمانات الأمنية الأمريكية. وفى هذا السياق، يؤكد صناع القرار فى أبوظبى، مثل مستشار رئيس الإمارات أنور قرقاش، أن التهديد الاستراتيجى الرئيسى لا يزال يتمثل فى إيران، وأن الدور الأمريكى فى المنطقة أصبح أكثر أهمية، ليس فقط عسكريًا، بل أيضًا سياسيًا واقتصاديًا. ولا يقتصر التحرك الإماراتى على مجال الطاقة، بل يمتد إلى أدوات النفوذ المالى والسياسى، كما يتضح من سحب 3.5 مليارات دولار من ودائعها فى باكستان بسبب موقفها المحايد من إيران.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







