ممدوح الششتاوى
الطرق ليست مجرد أسفلت وكبارى، بل شرايين حياة للاقتصاد والمجتمع. والحفاظ عليها مسئولية لا تقل أهمية عن بنائها.
شهدت مصر خلال السنوات الماضية نهضة غير مسبوقة فى مشروعات البنية التحتية، وعلى رأسها شبكة الطرق والمحاور، التى أعادت رسم خريطة الحركة داخل المدن وبين المحافظات. ويُحسب هذا الإنجاز للرئيس عبد الفتاح السيسى، الذى قاد تنفيذ مشروعات استراتيجية دعمت الاقتصاد، وقلّصت زمن الانتقال، وخفّضت تكاليف النقل، وسهّلت الوصول إلى الموانئ والمناطق الصناعية.
فقد أحدثت المحاور الجديدة، مثل محور الفريق العصار وغيرها، نقلة نوعية فى القاهرة الكبرى، إذ ربطت شرقها بغربها، ودمجت المجتمعات العمرانية الجديدة فى شبكة حديثة من الطرق السريعة. كما مثّل الطريق الإقليمى نموذجًا مهمًا لفصل حركة النقل الثقيل عن قلب العاصمة، بما ساهم فى تخفيف الزحام وتحقيق سيولة مرورية ملموسة.
لكن هذا الإنجاز الكبير يواجه اليوم تحديًا حقيقيًا يتمثل فى سوء الاستخدام وضعف الانضباط. فتجاوزات النقل الثقيل للأحمال المقررة تؤدى إلى تآكل الطرق بسرعة، وتُهدر استثمارات ضخمة فى زمن قياسى. وقد كشفت الحوادث المأساوية على الطريق الإقليمى حجم المشكلة، ما استدعى تدخلًا رئاسيًا لإعادة تأهيله وفق معايير تتناسب مع كثافة الاستخدام.
ورغم الجهود الواضحة فى إعادة الرصف باستخدام أحدث التقنيات، فإن الحل لا يكمن فى الصيانة وحدها، بل يبدأ من فرض رقابة صارمة على منظومة النقل، وتفعيل موازين الأحمال، وتطبيق القانون دون استثناء.
وتزداد الصورة قتامة مع مظاهر الفوضى اليومية: شاحنات تقف ليلًا دون إنذار، وأخرى تسير بسرعات عالية محمّلة بمواد خطرة، وأحيانًا بلا لوحات معدنية. أما داخل المدن، فالمشكلة لا تقل خطورة؛ ميكروباصات تتوقف عشوائيًا، ودراجات نارية تسير عكس الاتجاه، وتكاتك بلا ضوابط، فى ظل رقابة محدودة تركز على المخالفات الشكلية أكثر من حماية الأرواح.
وما يثير القلق أيضًا استخدام بعض شاحنات النقل الثقيل للحارات المخصصة للسيارات الخاصة، خاصة على طريق مصر - الإسكندرية الصحراوى ليلًا، رغم وجود طرق مخصصة لها، وهو ما يعكس خللًا واضحًا فى الالتزام والرقابة.
المفارقة أن مصر تمتلك اليوم بنية تحتية تضاهى المعايير العالمية، بينما لا تزال ثقافة الاستخدام دون هذا المستوى. فالقوانين موجودة، والتكنولوجيا متاحة، لكن غياب التطبيق الحاسم يُفقد هذه المشروعات جزءًا كبيرًا من جدواها.
لقد أثبتت التجربة أن الإرادة السياسية قادرة على إحداث التغيير سريعًا. ويبقى التحدى الآن هو استدامة هذا الإنجاز، عبر منظومة رقابية فعّالة، وتكامل بين الجهات المعنية، وحملات توعية حقيقية تعيد الانضباط إلى الشارع.
فالطرق ليست مجرد أسفلت وكبارى، بل شرايين حياة للاقتصاد والمجتمع. والحفاظ عليها مسئولية لا تقل أهمية عن بنائها. ويبقى السؤال الذى يفرض نفسه: من يحمى هذا الإنجاز من الفوضى ؟
مصر ودورة الألعاب الإفريقية 2027
تُعد استضافة مصر لدورة الألعاب الإفريقية المقرر إقامتها فى مطلع عام 2027 حدثًا بالغ الأهمية، خاصة أن آخر استضافة مصرية لهذا العرس الإفريقى الكبير كانت منذ 36 عامًا، وهو ما يمنح هذه النسخة طابعًا استثنائيًا ومكانة خاصة.
ولا تقتصر أهمية هذه الدورة على الجانب الرياضى فقط، بل تمثل ملتقى إفريقيًا جامعًا يعزز أواصر الصداقة والتعاون بين الدول الإفريقية، ويُسهم فى تبادل الثقافات وتقريب الشعوب، بما يدعم وحدة القارة ويُرسخ مفهوم الانتماء الإفريقى المشترك.
وتحمل استضافة مصر لهذه الدورة مسئوليات كبيرة، فى ظل ما تتمتع به من سجل حافل وخبرة متميزة فى تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، الأمر الذى يجعل أنظار الدول الإفريقية تتجه نحو ما ستقدمه مصر من نموذج يُحتذى به فى التنظيم والإدارة.
كما تمثل هذه الدورة فرصة ذهبية لكثير من الأشقاء الأفارقة لزيارة مصر، التى لطالما كانت مقصدًا حضاريًا وسياحيًا مميزًا، بما تمتلكه من معالم تاريخية وأثرية فريدة. ومن هنا، يُتوقع أن تشهد هذه النسخة مشاركة واسعة من الدول والرياضيين، حرصًا على التواجد فى هذا الحدث المهم.
وفى هذا الإطار، تبذل الدولة المصرية، ممثلة فى وزارة الشباب والرياضة، واللجنة الأوليمبية المصرية، وجميع الوزارات والجهات المعنية، جهودًا مكثفة لتنظيم دورة تليق بمكانة مصر، وتسهم فى دعم العلاقات الأخوية الراسخة مع الدول الإفريقية، وفتح آفاق جديدة للتعاون فى مختلف المجالات.
وتبقى الرياضة دائمًا عنوانًا للسلام، وجسرًا للتواصل الإنسانى، حيث تُعزز قيم التسامح والروح الرياضية، وتلعب دورًا مهمًا فى تقليل حدة الخلافات وتقريب وجهات النظر بين الشعوب، بل وقد تنعكس إيجابًا على العلاقات بين الدول وصنع القرار.
إن علاقات مصر بالدول الإفريقية علاقات تاريخية راسخة، قائمة على التعاون والمصالح المشتركة، وقد لعبت مصر دورًا محوريًا عبر العقود فى دعم قضايا القارة.
ومن ثم، فإن حسن استغلال تنظيم هذه الدورة يمثل فرصة استراتيجية لمصر لتعظيم العائد الاقتصادى والسياحى والسياسى، بما يحقق المنفعة المتبادلة لمصر وجميع الدول الإفريقية الشقيقة.

نحن لا نختار لون قلوبنا
تصحيح المسار
شريف زرد يكتب: كيف أعاد كريم بدوي رسم خريطة الطاقة وهيكلة "البترول" من الداخل؟







