الحقيقة المرة التى كشفتها الأحداث الأخيرة، هى أن ترامب ونتنياهو، نجحا فى حشد الجيوش، لكنهما عجزا عن بناء الاستقرار، لأن محركهما الأساسى هو الأطماع السياسية، وليس الحكمة والعقلانية فى لحظات الأزمات الكبرى.
كلاهما يفكر بمنطق تغيير خارطة المنطقة بالقوة الغاشمة، معتقدين أن القنابل والصواريخ يمكنها إعادة رسم التاريخ والجغرافيا وفق رغباتهما، وافتقرا التقدير السياسى الصحيح، فدخلت المنطقة فخاخ التصعيد التى يصعب الخروج منها.
وعند النظر فيمن يحرك الآخر، نجد أننا أمام «ثنائية تدميرية» تتبادل الأدوار ببراعة.. نتنياهو يجر الولايات المتحدة إلى مستنقع الحروب الإقليمية ليحمى مستقبله السياسى، وترامب يستخدم نتنياهو كرأس حربة لتنفيذ استراتيجية تحطيم الخصوم، ويغذى نتنياهو جنون العظمة لدى ترامب والعكس صحيح، والنتيجة هى جرح غائر لا يندمل فى غزة، وآخر ينزف فى إيران.
تقاطع كيميائى بين شخصيتين تتشاركان مزاجًا يتسم بالاندفاع والصدام، وهذا التطابق النفسى يخلق حالة من «المرايا العاكسة»، فيرى كل منهما فى الآخر، وسيلة للبقاء السياسى الشخصى قبل المصالح الاستراتيجية العليا للدولتين.
وعلى الرغم من تحالف القوة العسكرية للولايات المتحدة، والدعم غير المحدود الذى قدمه ترامب لإسرائيل، إلا أنهما فشلا فى تحقيق الأهداف الجذرية المتمثلة فى القضاء على حركة حماس، وإسقاط النظام فى إيران، ويعود ذلك إلى طبيعة الصراع ذاته، فالتدمير الواسع والخسائر البشرية الهائلة، رغم قسوتها، لم تترجم إلى «رؤية سياسية»، لأن الطرفين يتحركان بمنطق «الصفقة» أو «الضربة القاضية» السريعة.
فى غزة اصطدمت الآلة العسكرية الإسرائيلية، بواقع جغرافى وعقائدى لا يمكن محوه بالقصف.. وفى إيران أثبتت سياسة «الضغوط القصوى» التى انتهجها ترامب بطلب من نتنياهو أنها سلاح ذو حدين، ودفعت طهران نحو مزيد من التشدد بدلاً من الرضوخ، وغلب على تفكيرهما منطق «الاستعراض المسرحى للقوة»، دون وجود رؤية لليوم التالى.
من يقود الآخر؟، الإجابة تكمن فى «تبادل الأدوار».. تاريخياً، بدا نتنياهو هو المحرك الفكرى والسياسى، ونجح فى جر ترامب إلى تبنى أجندة اليمين الإسرائيلى بالكامل، من نقل السفارة إلى القدس حتى الانسحاب من الاتفاق النووى الإيرانى، وقيل إن قرارات واشنطن تُطبخ فى تل أبيب، حيث استغل نتنياهو حاجة ترامب لصورة «الزعيم القوى»، وحاجته لدعم اللوبى الموالى لليمين الإسرائيلى فى الداخل الأمريكى.
والتداخل بين قرارات ترامب ومصالح نتنياهو، وصل فى عهدهما إلى مرحلة انصهار غير مسبوقة، وتلاشت الحدود بين المصلحة القومية الأمريكية والأجندة الحزبية الإسرائيلية، وهذا الارتباط الوثيق جعل من الصعب التمييز بين من يفكر ومن ينفذ. ومع ذلك، يظل ترامب شخصية متقلبة ولا تقبل التبعية المطلقة، ويرى نفسه «صانع الصفقات» الأول، رغم العلاقة النفعية المتبادلة، يظن كل طرف أنه يوجه الآخر لخدمة طموحه الشخصى.


سلطنة عُمان وإيران.. «جزاء المعروف غدر» !
مسار إجبارى.. نحو التفاوض!!
الطريق السرى






