بين التوعية والتشويه:كيف تُعالِج الدراما الأمراض النفسية؟

الدراما الأمراض النفسية
الدراما الأمراض النفسية


تحقيق أحمد عدوى وأمنية ابوكيلة

شهدت الفترة الماضية تزايدًا ملحوظًا فى معدلات الحديث عن الأمراض النفسية، بعد انتشار عدد من الحالات التى وصل بعضها إلى حد الانتحار، وهو ما أثار حالة من القلق المجتمعى ودفع إلى فتح نقاشات واسعة حول أسباب تفاقم الظاهرة وسبل مواجهتها بطرق علمية وإنسانية، ومع تنامى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، لم تعد هذه القضايا حبيسة العيادات النفسية، بل أصبحت مطروحة بقوة فى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، الأمر الذى يفرض ضرورة التعامل معها بوعى ومسئولية، بعيدًا عن التهوين أو التهويل، وفى هذا التحقيق نناقش سؤالًا محوريًا: هل يمكن للدراما، باعتبارها وسيلة تأثير جماهيرى واسعة الانتشار، أن تسهم فى تقليل حدة هذه الظاهرة، وأن تلعب دورًا إيجابيًا فى دعم المرضى نفسيًا وتغيير نظرة المجتمع إليهم؟

تشكيل الصورة الذهنية
يرى المؤلف د. باهر دويدار، أن للدراما تأثيرًا كبيرًا ومباشرًا على المشاهدين، خاصة فى ظل الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعى التى تضاعف من سرعة انتقال الرسائل والأفكار وتزيد من حجم التفاعل معها، ويؤكد باهر، أن العمل الدرامى لم يعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبح منصة قادرة على إثارة النقاش حول قضايا حساسة ومسكوت عنها، ومنها قضايا الصحة النفسية، ويضيف أن الدراما تستطيع إعادة تشكيل الصورة الذهنية المرتبطة بالطب النفسى، من خلال تقديم الطبيب النفسى بصورة مهنية وإنسانية، وإبراز أن المرض النفسى لا يختلف عن أى مرض عضوى يحتاج إلى تشخيص دقيق وعلاج مناسب ومتابعة مستمرة، فضلًا عن دعم الأسرة والمجتمع، كما يمكنها تسليط الضوء على أهمية الكشف المبكر، وتشجيع الأفراد على طلب الاستشارة قبل تفاقم الأعراض.
كما يشدد دويدار على أهمية تجنب الوقوع فى فخ المبالغة أو التهويل عند تناول هذه القضايا، لأن تصوير المريض النفسى بصورة عدوانية أو غير متزنة بشكل دائم، يرسِّخ أفكارًا مغلوطة ويزيد من الوصمة الاجتماعية، فبعض الأعمال قد تربط بين المرض النفسى والعنف أو الجريمة بشكل تلقائي، وهو ما يؤدى إلى نتائج عكسية ويعمِّق الفجوة بين المرضى والمجتمع، ويرى أن المسئولية الأخلاقية لصُناع الدراما تقتضى إجراء بحوث كافية والاستعانة بمتخصصين عند تناول موضوعات تتعلق بالصحة النفسية، حتى تأتى المعالجة واقعية ومستنيرة.
مساحة آمنة للتعبير
أما المخرج أمير رمسيس، فيوضح أن الفن فى العديد من دول العالم يستخدم ضمن برامج العلاج النفسي، حيث توظف أنشطة مثل المسرح والموسيقى والرسم والكتابة الإبداعية كوسائل مساعدة فى تحسين الحالة المزاجية للمرضى وتعزيز قدرتهم على التعبير عن مشاعرهم المكبوتة، ويشير إلى أن الانخراط فى أنشطة فنية يمنح المريض مساحة آمنة للتعبير عن ذاته، ويساعده على تفريغ الضغوط الداخلية بطريقة إيجابية، كما يعزز شعوره بالإنجاز والانتماء، ويكسر شعور العزلة الذى قد يلازمه لفترات طويلة، ويضيف أن مشاهدة أعمال درامية تتناول قضايا مشابهة لما يمر به البعض قد تمنحهم إحساسًا بأنهم ليسوا وحدهم فى معاناتهم.
لكنه يؤكد فى الوقت ذاته أنه لا يمكن الاعتماد على الفن باعتباره علاجًا أساسيًا أو بديلًا للعلاج الطبى المتخصص، بل عنصر داعم ومكمل للخطة العلاجية التى يضعها الأطباء والمعالجون النفسيون، فالعلاج الدوائى أو الجلسات العلاجية السلوكية والمعرفية تظل الأساس فى التعامل مع كثير من الاضطرابات.
شخصيات مُتعددة الأبعاد
يشير الناقد أندرو محسن، إلى أهمية تقديم أعمال فنية تتناول قضايا الصحة النفسية بشكل غير مباشر وواقعي، بعيدًا عن الوعظ المباشر أو الطرح السطحى الذى قد يفقد العمل قيمته الفنية، ويرى محسن، أن المعالجة الفنية الرصينة يجب أن تركز على بناء شخصيات إنسانية متعددة الأبعاد، تعانى وتخطئ وتحاول التعافى، بحيث يرى المشاهد نفسه فى هذه الشخصيات ويتعاطف معها دون إصدار أحكام مسبقة، كما يؤكد أن إبراز قصص التعافى والدعم الأسرى والمجتمعى يمكن أن يكون له أثر بالغ فى طمأنة مَن يعانون فى صمت، ودفعهم إلى طلب المساعدة دون شعور بالخجل أو الخوف من نظرة الآخرين.
ويضيف محسن، أن التوازن بين البُعد الدرامى والبُعد التوعوى أمر ضروري، فالفن لا ينبغى أن يتحول إلى خطاب إرشادى مباشر، بل إلى تجربة إنسانية تفتح المجال للتفكير وإعادة النظر فى المفاهيم السائدة.
تحسين الحالة النفسية
أما استشارى الأمراض النفسية وليد هندى، فيؤكد أن الدراما، بلا شك، تمتلك تأثيرًا واضحًا ومباشرًا على المشاهدين، سواء كانوا من الأصحاء أو من المرضى النفسيين، ويوضح أن العمل الدرامى عندما يُقدَّم بصورة متوازنة ومسئولة، يمكن أن يسهم فى تحسين الحالة النفسية لبعض المرضى، من خلال منحهم شعورًا بأنهم مفهومون وغير معزولين عن المجتمع، فمشاهدة شخصيات تمر بأزمات مشابهة وتتغلب عليها تدريجيًا قد تبعث برسائل أمل وتعزز الإحساس بإمكانية التعافي.
ويضيف هندى، أن التأثير الإيجابى للدراما لا يتحقق بشكل عشوائي، بل يتطلب تقديم أعمال جادة وهادفة تقوم على معلومات دقيقة، وتستند إلى استشارات طبية متخصصة، فالأعمال التوعوية التى تشرح طبيعة الاضطرابات النفسية وأعراضها وطرق علاجها بشكل غير مباشر، يمكن أن تساعد المشاهد على فهم ذاته أو فهم مَن حوله بصورة أفضل، كما أن تسليط الضوء على أهمية اللجوء إلى الطبيب النفسي، والتأكيد على أن العلاج ليس وصمة بل ضرورة صحية، يسهم فى كسر حاجز الخوف والتردد لدى كثيرين.
ويرى هندى، أن الدراما حين تبتعد عن السخرية أو المبالغة فى تصوير المرض النفسي، وتقدم نماذج واقعية تعكس التحديات اليومية التى يواجهها المرضى، فإنها تتحول إلى أداة دعم نفسى واجتماعي، فهى لا تعالج المرض بشكل مباشر، لكنها قد تكون دافعًا قويًا لطلب المساعدة وبدء رحلة العلاج، ومن هنا يؤكد أن الاستثمار فى أعمال درامية جادة وتوعوية سيعود بالنفع على المجتمع ككل، من خلال رفع مستوى الوعى وتعزيز ثقافة الاهتمام بالصحة النفسية باعتبارها جزءًا أساسيًا من الصحة العامة.
التأثير كما يراه المشاهدون
وإذا كانت آراء الخبراء قد رسمت الإطار النظرى لتأثير الدراما، فإن التجربة الحقيقية تتجسد فى تفاعلات الجمهور، الذى يتلقى هذه الأعمال يوميًا، ويتأثر بها نفسيًا ومزاجيًا بدرجات متفاوتة.
فتقول غادة أحمد هيبة موظفة بأحد البنوك، إن الدراما التليفزيونية، يمكن أن تدعم الصحة النفسية وفقًا لنوعها؛ فهناك أعمال تناقش قضايا نفسية أو قيمًا أسرية تدخلها فى حالة مزاجية لطيفة وتساعدها على فهم أمور لم تكن منتبهة لها، بينما توجد أعمال هادفة لكنها قاسية تؤثر عليها نفسيًا رغم أنها تُوسِّع مداركها، وأشارت إلى أن قوة التمثيل والقصة قد تضعها فى حالة مزاجية تستمر لفترة، سلبًا أو إيجابًا، وأضافت أن بعض الأعمال ساعدتها فى تخطى أزمات، مثل مسلسل «ميدتيرم»، لكنها أحيانًا تشعر بالتوتر أو الضيق بعد مشاهدة مسلسلات، خاصة تلك المأخوذة عن قصص حقيقية.
من جانبها، ترى أميرة زين العابدين المحامية بالنقض، أن الدراما تدعم الصحة النفسية إذا قدمت محتوى إيجابيًا وتوعويًا، مؤكدة أنها تتابع طريقة طرح القضايا والحلول الواقعية، مثل تعزيز الترابط الأسرى والتعامل الهادئ مع المشكلات.
أما جيلان عهدى «موظفة بالتأمين الصحى الشامل»، فتؤكد أن الدراما جزء من يومها وتؤثر فى حالتها المزاجية، سواء كانت كوميدية أو هادفة، إذ تساعدها على فهم موضوعات غير واضحة لديها، وتشير إلى أنها قد تشعر بالضيق إذا لم تعجبها النهاية، لكن هذا الإحساس لا يدوم طويلًا.
وتقول ميادة إيهاب ربة منزل، إن الدراما سلاح ذو حدين؛ فقد تمنح الأمل وتخفف الضغط حين يجد المشاهد نفسه فى الشخصيات، لكنها أحيانًا تزيد الحزن أو التوتر، وأوضحت أنها أصبحت تختار ما تشاهده وفق حالتها النفسية، بعد أن لاحظت تأثير الأعمال عليها بين الراحة أو التفكير الزائد.