مؤتمر برلين.. تعهدات مالية.. واستمرار غياب الحل

المشاركون فى المؤتمر الدولى بشأن السودان فى برلين
المشاركون فى المؤتمر الدولى بشأن السودان فى برلين


محمد الزهيرى

لم يتمكن المؤتمر الدولى الثالث بشأن السودان والذى عُقد فى العاصمة الألمانية برلين الأسبوع الماضى من تحقيق أى اختراق سياسى حقيقى ينهى الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات رغم التوقعات والآمال التى سبقته، ليلحق هذا المؤتمر بمؤتمرى باريس 2024 ولندن 2025 حيث خرج بنتائج مهمة على الجانب الإنسانى لكنه فشل فى تغيير الواقع السياسى أو إيقاف القتال على الأرض.

وتمكن مؤتمر برلين من جمع تعهدات مالية تجاوزت 1.3 مليار يورو وهو رقم كبير يعكس حجم الاهتمام الدولى بالأزمة الإنسانية فى السودان الذى تشير التقديرات إلى أن نحو 21 مليون شخص هناك يواجهون انعدام الأمن الغذائى فيما وصلت معدلات الفقر إلى حوالى 70٪ إلا أنه وبرغم أهمية هذا الدعم، فإنه لا يعالج السبب الرئيسى للأزمة المتمثل فى استمرار الحرب.

والسبب الأبرز وراء فشل هذا المؤتمر سياسيًا هو غياب طرفى النزاع الرئيسيين، وهما الجيش السودانى وقوات الدعم السريع وهو ما يجعل المؤتمر يفتقد أهم عنصر يمكن أن يقود إلى حل وهو وجود الأطراف التى تمتلك القرار الفعلى فى الحرب، فبدون مشاركة هذه الأطراف تصبح أى دعوات لوقف إطلاق النار أو بدء مفاوضات لا تتخطى مجرد توصيات غير ملزمة وغير قابلة للتنفيذ.

وأثار هذا الاستبعاد من المؤتمر غضب الحكومة السودانية التى اعتبرت عدم دعوتها للمؤتمر انتهاكًا واضحًا لسيادة الدولة، وأكد رئيس الوزراء السودانى أن المؤتمر لا يمثل الحكومة ولا الشعب السودانى وأن نتائجه لا تعنيهم، بما يضعف بشكل كبير من قيمة أى مخرجات للمؤتمر لأن أى حل سياسى لا يحظى بقبول الأطراف المعنية لن يكون قابلًا للتطبيق.

فى المقابل، دافع منظمو المؤتمر عن هذا التوجه باعتباره محاولة للتركيز على الجانب الإنسانى وإشراك قوى مدنية غير منخرطة فى القتال وهو ما أثار جدلًا واسعًا أيضا فى ظل دعوة بعض الأطراف المدنية دون غيرها، ما دفع نشطاء سودانيين إلى تنظيم احتجاجات أمام مقر المؤتمر معتبرين أنه لا يعكس إرادة الشعب السودانى.

ومن العوامل المهمة أيضا أن المؤتمر ركز بشكل كبير على جمع المساعدات بشكل أكبر من تركيزه على إيجاد حل سياسى، فمنذ بداية هذه السلسلة من المؤتمرات كان الهدف الأساسى هو دعم العمل الإنسانى وهو الأمر الضرورى بالتأكيد لكنه لا يكفى لإنهاء الأزمة فالمساعدات يمكن أن تخفف من المعاناة لكنها لا توقف الحرب.

أيضا من الأسباب التى أضعفت من تأثير المؤتمر، غياب آلية تنفيذ واضحة لنتائجه فقد تكررت الدعوات إلى وقف إطلاق النار ووقف تدفق الأسلحة، لكن دون وجود وسائل ضغط حقيقية لإجبار الأطراف على الالتزام.

وزادت عدة تعقيدات إقليمية ودولية من صعوبة الوضع فقد أشارت تقارير أممية إلى أن قوى خارجية تواصل دعم أطراف النزاع بالسلاح والتمويل بما يطيل أمد الحرب، وفى ظل تضارب المصالح بين هذه القوى يصبح من الصعب التوصل إلى توافق دولى حقيقى يمكن أن يفرض تسوية سياسية.

إضافة إلى ذلك، يعانى المجتمع الدولى من تراجع الاهتمام بالأزمة السودانية مقارنة بأزمات أخرى مثل الحرب فى أوكرانيا والتوترات فى الشرق الأوسط بما يؤثر على مستوى الضغط السياسى ويجعل الجهود الدولية أقل تأثيرًا رغم الاعتراف بخطورة الوضع الإنسانى.

ومن أسباب فشل المؤتمر أيضًا أنه كان تكرارا لنفس النهج دون تطوير حيث جاء كامتداد مباشر لمؤتمرى باريس ولندن، مع مشاركة شبه متطابقة لنفس الدول والمنظمات وبدون تقديم أفكار جديدة أو آليات مختلفة ما يعكس نوعًا من الجمود فى التعامل مع الأزمة ويجعل النتائج متوقعة إلى حد كبير.

فى الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل الانقسام داخل الساحة السودانية نفسها سواء بين الأطراف العسكرية أو حتى داخل القوى المدنية بما يجعل من الصعب الوصول إلى رؤية موحدة يمكن أن تكون أساسًا لأى حل سياسى ويزيد من تعقيد مهمة الوسطاء الدوليين إلا أنه بالرغم من ذلك لا يمكن إنكار أن المؤتمر حقق جانبًا إيجابيًا مهمًا، وهو دعم العمل الإنسانى فى وقت تعانى فيه المنظمات من نقص كبير فى التمويل.