رومين راديف.. عودة قوية لرجل «مُثير للجدل»

رومين راديف رئيس بلغاريا السابق
رومين راديف رئيس بلغاريا السابق


عاد رومين راديف رئيس بلغاريا السابق، إلى الواجهة السياسية من جديد ولكن هذه المرة ليس بصفته رئيسًا ذا دور بروتوكولى محدود، بل كفاعل تنفيذى يسعى لإعادة تشكيل توازنات الداخل والخارج معًا.

فراديف الذى أمضى قرابة عقد فى رئاسة البلاد، قبل أن يستقيل مطلع عام 2026 لخوض الانتخابات البرلمانية، نجح فى تحقيق فوز ساحق تجاوز توقعات استطلاعات الرأى، مانحًا ائتلافه «بلغاريا التقدمية»، موقع الصدارة فى مشهد سياسى أنهكته سنوات من عدم الاستقرار والانتخابات المتكررة.

لكن صعود راديف لا يمكن فهمه فقط من زاوية الداخل البلغارى، بل يرتبط أيضًا بمواقفه الخارجية التى أثارت جدلًا واسعًا، فعلى الرغم من إدانته الحرب الروسية على أوكرانيا، الا أنه عارض فى الوقت نفسه تقديم دعم عسكرى لكييف، ودعا إلى انتهاج سياسة «براجماتية» تقوم على إعادة فتح قنوات التعاون مع موسكو، بما فى ذلك استئناف واردات الطاقة الروسية، وهو موقف يتعارض مع توجهات الاتحاد الأوروبى الذى يسعى إلى إنهاء اعتماده على الطاقة الروسية بحلول 2027. هذه المواقف دفعت منتقديه إلى وصفه بأنه قريب من الكرملين، بينما يصر هو على أن مقاربته تستند إلى المصالح الوطنية لا إلى الاصطفافات الأيديولوجية.

ويُعزز هذا الجدل، ما نقلته تصريحات الكرملين عقب فوزه، إذ رحبت موسكو بنتائج الانتخابات وأشادت بخطابه الداعى إلى الحوار العملى، فى وقت يرى فيه مراقبون أن بلغاريا، بوصفها عضوًا بالاتحاد الأوروبى وحلف شمال الأطلسى، قد تجد نفسها أمام اختبار دقيق فى حال حاولت الموازنة بين التزاماتها الغربية ورغبة قيادتها الجديدة فى تحسين العلاقات مع روسيا، ويبدو أن راديف نفسه يدرك حساسية هذا الموقع، إذ سبق أن طرح فكرة أن بلاده يمكن أن تكون «حلقة وصل» بين أوروبا وروسيا، مستندًا إلى ما يعتبره خصوصية ثقافية وتاريخية تجمع بين الانتماء الأوروبى والروابط السلافية الأرثوذكسية.

وجاء فوز راديف، مدفوعًا بعوامل أكثر إلحاحًا بالنسبة للناخبين، أبرزها ارتفاع تكاليف المعيشة والاضطرابات السياسية المستمرة منذ عام 2021. فقد عانت بلغاريا من سلسلة حكومات قصيرة العمر، سقطت بفعل الخلافات أو الاحتجاجات، ما خلق طلبًا شعبيًا على الاستقرار، وهو ما وعد به راديف خلال حملته، وتشير نتائج الانتخابات إلى أنه قد يكون قادرًا على تشكيل حكومة مستقرة، سواء بمفرده أو عبر ائتلاف محدود، فى تحول قد ينهى مرحلة من الهشاشة السياسية التى استمرت خمس سنوات.

ومع انتقاله من موقع الرئاسة إلى رئاسة الحكومة، يواجه راديف اختبارًا مختلفًا، إذ لم يعد بإمكانه الاكتفاء بدور رمزى أو خطابى، بل أصبح مسئولًا عن إدارة السياسات اليومية واتخاذ قرارات اقتصادية ودبلوماسية مُعقَّدة. فالنظام السياسى فى بلغاريا، يمنح رئيس الوزراء السلطة التنفيذية الفعلية، بما فى ذلك تشكيل الحكومة وتحديد أولوياتها وتمثيل البلاد خارجيًا، وهو ما يضع راديف أمام تحدى تحويل شعاراته الانتخابية إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

وُلد راديف عام 1963 بمدينة ديميتروفجراد، وتَكَوَّن وعيه المهنى داخل المؤسسة العسكرية، حيث تدرج من طيار مقاتل إلى قائد للقوات الجوية، قبل أن يغادر الجيش عام 2016 مُتجهًا إلى السياسة، ومنذ دخوله الحياة العامة، حاول أن يقدم نفسه كوجه من خارج النُخب التقليدية، مستفيدًا من حالة السخط الشعبى على الفساد والطبقة السياسية. هذا الخطاب عززه لاحقًا خلال دعمه للاحتجاجات التى أطاحت بالحكومة السابقة عام 2025، حيث دعا إلى كسر ما وصفه بـ «نموذج حكم الأقلية»، وهو ما انعكس فى حملته الانتخابية التى ركزت على استعادة ثقة المواطنين ومعالجة الأزمات الاقتصادية.

استطاع راديف أن يبنى لنفسه صورة «الرجل البراجماتى» الذى يعد بالاستقرار فى الداخل والانفتاح الحذر فى الخارج، الا أن هذا التوازن الذى يسعى إليه، بين إرضاء ناخبين أنهكتهم الأزمات والحفاظ على موقع بلاده داخل المنظومة الغربية، قد يكون التحدى الأكبر الذى سيحدد ملامح تجربته خلال المرحلة المقبلة.