تل أبيب - حزب الله.. تأجيل للصدام

ترامب مع وفد التفاوض اللبنانى - الإسرائيلى
ترامب مع وفد التفاوض اللبنانى - الإسرائيلى


سميحة شتا

مثّلت الجولة الثانية من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية فى واشنطن تطورًا لافتًا فى مسار الصراع بين الجانبين، ليس فقط لأنها جاءت بعد أول تواصل مباشر رفيع المستوى بينهما منذ أكثر من ثلاثة عقود، بل لأنها كشفت أيضًا حجم التعقيدات التى تجعل أى تهدئة قابلة للانهيار فى أى لحظة.

ففى الوقت الذى أعلن فيه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان لثلاثة أسابيع إضافية، بدا واضحًا أن هذا التمديد لا يعكس اختراقًا سياسيًا حقيقيًا بقدر ما يعكس محاولة أمريكية لمنع انهيار الهدنة الهشة وإعطاء المفاوضات وقتًا إضافيًا وسط استمرار المواجهات الميدانية والانقسامات اللبنانية الداخلية.

المحادثات التى جرت فى البيت الأبيض بحضور ترامب ونائبه جيه دى فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو جمعت سفيرى لبنان وإسرائيل لدى واشنطن، فى إشارة إلى أن التفاوض لا يزال محصورًا فى مستوى دبلوماسى محدود، بينما تغيب عنه القوى الفاعلة الأساسية على الأرض، وفى مقدمتها حزب الله. ورغم أن ترامب تحدث بتفاؤل عن إمكانية الوصول إلى «شىء رائع» وربط ذلك أيضًا بمسار التهدئة مع إيران، فإن الوقائع الميدانية كانت تشير إلى عكس ذلك، إذ شهد جنوب لبنان وشمال إسرائيل تبادلًا للقصف حتى أثناء انعقاد المفاوضات.

بحسب ما نقلته «واشنطن بوست»، فإن لبنان طلبت تمديد الهدنة خشية العودة إلى التصعيد الواسع، خصوصًا مع استمرار الدمار فى الجنوب ونزوح أكثر من مليون لبنانى. كما سعت بيروت خلال المحادثات إلى الضغط من أجل وقف عمليات الهدم الإسرائيلية فى القرى الجنوبية والبحث فى ملفات أوسع مثل انسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التى تسيطر عليها داخل الجنوب اللبنانى، وإعادة المعتقلين اللبنانيين، وترسيم الحدود البرية بين البلدين. لكن هذه المطالب اصطدمت بالموقف الإسرائيلى الذى يركز بصورة شبه كاملة على هدف تفكيك حزب الله وإنهاء وجوده العسكرى قرب الحدود.

حاول وزير الخارجية الإسرائيلى جدعون ساعر خلال الأيام التى سبقت المحادثات تقديم الصراع باعتباره مع حزب الله وليس مع الدولة اللبنانية، قائلًا إن «حزب الله هو العقبة أمام السلام والتطبيع». لكن هذا الطرح يتناقض مع الواقع الميدانى، إذ تواصل إسرائيل تنفيذ غارات داخل الأراضى اللبنانية وتوسيع المنطقة العازلة فى الجنوب.

كما أن أصواتًا داخل الحكومة الإسرائيلية ذهبت أبعد من ذلك، بعدما دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى جعل نهر الليطانى «الحدود الشمالية الجديدة لإسرائيل»، بينما طالب نواب إسرائيليون باحتلال كامل المنطقة حتى الليطانى وإجلاء السكان منها، ما يثير مخاوف لبنانية من أن تتحول الحرب إلى محاولة لفرض وقائع جغرافية جديدة.

فى المقابل، تبدو الحكومة اللبنانية عالقة بين الضغوط الأمريكية والإسرائيلية من جهة، وتهديدات حزب الله من جهة أخرى. فبحسب الباحث ديفيد شينكر، فإن بيروت حاولت منذ انتخاب الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام إظهار توجه جديد يقوم على تعزيز سلطة الدولة واحتكار السلاح، حيث أعلنت الحكومة تكليف الجيش اللبنانى بإعداد خطة لنزع سلاح حزب الله جنوب الليطانى، كما اتخذت خطوات ضد النفوذ الإيرانى داخل البلاد. غير أن هذه الإجراءات بقيت محدودة التنفيذ بسبب خشية السلطات اللبنانية من رد فعل الحزب، الذى لا يزال يمتلك نفوذًا سياسيًا وعسكريًا واسعًا داخل مؤسسات الدولة والمجتمع الشيعى.

وتكشف تصريحات قيادات حزب الله حجم الرفض الداخلى للمفاوضات. فقد دعا النائب حسن فضل الله الحكومة اللبنانية إلى وقف أى اتصال مباشر مع إسرائيل، مؤكدًا أن الحزب لن يقبل بأى تهدئة ما لم تنسحب إسرائيل بالكامل من الأراضى اللبنانية وتتوقف عن عمليات الاغتيال والقصف. كما نقلت تقارير عن تهديدات وجهها مسئولون فى الحزب للحكومة اللبنانية، وصلت إلى حد التلميح بإسقاطها إذا مضت بعيدًا فى مسار التفاوض مع إسرائيل.

هذا الواقع يجعل من الصعب تصور أن تتمكن الحكومة اللبنانية من تنفيذ المطالب الأمريكية والإسرائيلية المتعلقة بنزع سلاح حزب الله. فوفق تقديرات نقلتها «واشنطن بوست» عن مسئولين وخبراء، فإن الجيش اللبنانى نفسه لا يبدو موحدًا بالكامل خلف هذا الخيار، كما أن تجربة السنوات الماضية أظهرت أن أى محاولة للمساس بالبنية العسكرية للحزب قد تدفع البلاد إلى صدام داخلى واسع. لذلك تميل بيروت إلى اتباع مقاربة تدريجية تقوم على الاحتواء والتفاوض بدلًا من المواجهة المباشرة.

ورغم الدعم الأمريكى المتزايد للجيش اللبنانى، بما فى ذلك تخصيص نحو 250 مليون دولار مشروطة باتخاذ خطوات ملموسة ضد حزب الله، فإن نجاح هذه السياسة يبقى مرتبطًا بعوامل إقليمية أوسع، أبرزها مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران. فالحرب الأخيرة اندلعت أساسًا بعد انخراط حزب الله فى المواجهة دعمًا لإيران عقب التصعيد الأمريكى الإسرائيلى ضدها، ما يعنى أن أى تهدئة دائمة فى لبنان ستظل مرتبطة بمستقبل التفاهمات الأمريكية الإيرانية.

فى الوقت نفسه، تسببت العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة فى تعميق الأزمة الإنسانية داخل لبنان. فقد تحدثت تقارير لبنانية عن تدمير آلاف الوحدات السكنية فى الجنوب، بينما أثار مقتل الصحفية أمل خليل خلال غارة إسرائيلية غضبًا واسعًا، خصوصًا بعد اتهام إسرائيل باستهداف فرق الإسعاف والصحفيين. وتستخدم بيروت هذه الوقائع للقول إن إسرائيل تنتهك وقف إطلاق النار بصورة ممنهجة، بينما تبرر تل أبيب عملياتها بأنها تدخل ضمن «حق الدفاع عن النفس» ومنع أى هجمات محتملة من حزب الله.

أظهرت الجولة الثانية من المفاوضات أن التمديد الجديد لوقف إطلاق النار لا يعنى اقتراب التوصل إلى اتفاق سلام دائم، بل يعكس محاولة لتجميد التصعيد مؤقتًا ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع. فإسرائيل تريد ضمانات أمنية تتعلق بإضعاف حزب الله وإبعاده عن الحدود، بينما يسعى لبنان إلى وقف الهجمات الإسرائيلية والحفاظ على سيادته ومنع انهيار داخلى جديد. وبين هذين الهدفين يقف حزب الله لاعبًا أساسيًا يرفض تقديم تنازلات جوهرية، ما يجعل مستقبل الهدنة مرتبطًا بقدرة واشنطن على إدارة التوازنات المعقدة بين بيروت وتل أبيب وطهران فى آن واحد.