من أجمل الأعمال السينمائية فيلم «أرض النفاق» المأخوذ عن رواية للأديب يوسف السباعى، بطولة فؤاد المهندس، وهو عمل ساخر يناقش طبيعة الأخلاق البشرية بطريقة كوميدية فلسفية، ولا يكتفى بإضحاك المشاهد، بل يدفعه للتأمل فى سلوكياته وسلوك المجتمع من حوله، وتقوم فكرته على تصور بسيط وذكى، وهو إمكانية شراء الأخلاق المعبأة فى زجاجات، ليقدم مرآة واقعية تكشف تناقضات الإنسان، وتفضح ازدواجية المعايير فى العلاقات الاجتماعية.
قصة الفيلم لمن لم يشاهده، تدور حول موظف بسيط يُدعى مسعود أبو السعد، يعيش حياة عادية مليئة بالإحباط والضغوط، وفى يوم من الأيام يكتشف متجرا غريبا يبيع الأخلاق فى زجاجات.. يشرب «الصدق» فيصبح صريحا بشكل يزعج من حوله، ويشرب «الشجاعة» فيتحول إلى شخص جريء جدًا ومكروه، ويشرب «النفاق» فيصبح قادرًا على التلون وكسب رضا الجميع.
ويفوز النفاق الذى يحقق الثروة والوجاهة والنفوذ، وينتقد العمل مجتمعا يكافئ الخداع أكثر من الصدق، وكيف ينجح البعض اجتماعيا، عندما يزيفون مبادئهم، ملقيا الضوء على قضية عميقة بأسلوب بسيط.
ونعيش اليوم صورًا مبتكرة ومتعددة، مثل عبارة «فى حب مصر»، التى كنت أسمعها كثيرًا فى المؤتمرات الانتخابية والسحورات الرمضانية، ثم اختفت بعد انتهاء المناسبة، أو أصبحت تُقال بحذر فى البرامج التليفزيونية، خوفًا من اتهام قائلها بالنفاق، أما الكراهية المبطنة فلا تُعلن صراحة، بل تظهر فى سلوكيات وأفعال متعددة الأشكال والألوان، تضر بالمجتمع وحياة الناس.
حب الوطن أو كرهه ليس كلاما نظريا أو شعارات تُقال، بل أفعال تظهر على أرض الواقع، والمعدن الحقيقى للإنسان، لا ينكشف إلا فى أوقات الشدائد والأزمات، وهو سلوك يومى يتجلى فى الأفعال قبل الأقوال، وليس خطابًا يُلقى فى المناسبات، بل التزام أخلاقى يتحقق بتحمل المسئولية.
وتثبت الأزمات أن الأقنعة تسقط سريعًا، فقد ظهر أن بعض من كانوا يتغنون بحب الوطن فى سنوات الأزمات، كانوا أول المنسحبين عند أول اختبار، بينما واصل آخرون العمل فى صمت رغم الصعوبات، وهؤلاء هم نموذج الصمود الحقيقى، لأنهم أدركوا أن الوطن ليس وسيلة للربح السريع، بل كيان يعيشون فيه ويعيش فيهم، فلم يهربوا واختاروا المواجهة والبناء، مؤمنين بأن استقرار بلدهم هو استقرارهم.
وهنا تتجلى الرسالة العميقة التى قدمها الفيلم منذ سنوات طويلة، وهى أن الأخلاق ليست سلعة تُشترى، بل قيمة تُختبر فى المواقف الصعبة، وأن النفاق قد يحقق مكاسب مؤقتة، لكنه لا يصنع إنسانًا حقيقيًا ولا وطنًا قويًا.
الحقيقة بتوجع، لكننا نحيا اليوم مشاهد متضخمة من الزيف الذى يغذيه النفاق، فتختل العلاقات الاجتماعية وتفقد توازنها، وتظهر أبسط صورها فى سلوكيات تهدد السلم المجتمعى.. جشع لا يشبع، واستغلال لا يرحم، وكذب يتزين بالرياء، واغتنام للأزمات على حساب الآخرين، حتى أصبحت مكاسب البعض مرهونة بإلحاق الأذى بغيرهم، فى مشهد يكشف تراجع القيم وتآكل الضمائر.

الذكاء الاصطناعى سفينة نوح
الكل فى «ضهر المنتخب»
انتهاك إيرانى







