سلطان مملوكي بناه بمكان سجنه| «المؤيد شيخ».. جامع المحاسن

جامع السلطان المؤيد شيخ المحمودي
جامع السلطان المؤيد شيخ المحمودي


فى القاهرة بعض النقاط السحرية التى تخلب الألباب، وتحدد ملامح المكان، وتمنح معالم المدينة تفرداً يترك بصمته على الزوار، من أشهر هذه النقاط السحرية باب زويلة الذى يحتل بمئذنتيه الشاهقتين الصدارة، وبجواره من داخل الأسوار يقع جامع السلطان المؤيد شيخ المحمودى، الرجل الذى خرج من ظلمات السجن ليحقق وعده ويبنى جامعه مكان سجنه، فمنح المدينة مشهدها الخالد وأحد أبرز التكوينات المعمارية الفريدة، وأنفق بسخاء على جامع تحول إلى تحفة فنية متكاملة للفنون الإسلامية، ولا يزال الجامع بتفاصيله الدقيقة يقف شامخًا معبرًا عن إحدى مفاخر العمارة السلطانية المملوكية فى مصر.

بناء الجامع يعود إلى نذر المؤيد شيخ عندما كان أميرًا وسجن فى خزانة شمائل، أحد أشهر السجون فى العصر المملوكى وأكثرها شناعة، وكان يقع بجوار باب زويلة، فنذر المؤيد وهو فى محنة السجن إن نجاه الله تعالى ليهدمن السجن ويبنى مكانه مسجدًا لله، لذا عندما تولى السلطنة المملوكية فى العام 815هـ/ 1411 م عمل على تنفيذ الوعد والنذر، فأمر بشراء خزانة شمائل وقيسارية الأمير سنقر الأشقر المجاورة لها وعدة دور، ثم أمر بهدم الجميع لبناء الجامع الجديد، فتمت عمارته فى العام 820هـ/ 1417م، وقد أنفق السلطان المؤيد على الجامع بسخاء، حتى أنه اشترى الباب النحاس الكبير لمدرسة السلطان حسن مع التنور النحاس، ودفع ثمنهما 500 دينار، ونصب الباب على مدخل جامعه الجديد.

وأجمع المؤرخون على أهمية الجامع وفرادته، فالمقريزى فى كتابه االمواعظ والاعتبار فى ذكر الخطط والآثارب، وصفه قائلًا: اهو الجامع الجامع لمحاسن البنيان، الشاهد بفخامة أركانه وضخامة بنيانه أن منشئه سيد ملوك الزمان. يحتقر الناظر له عند مشاهدته عرش بلقيس وإيوان كسرى أنوشروان، ويستصغر من تأمل بديع أسطوانه الخورنق وقصر غمدانب. ونقل المؤرخون اقيل إنه لم يُعمر فى الإسلام أكثر منه زخرفة، ولا أحسن ترخيمًا بعد الجامع الأموىب، ويقال إن السلطان العثمانى سليم الأول لما دخل القاهرة غازيًا، وشاهد جوامعها توقف أمام جامع المؤيد شيخ وعلق على جمال تفاصيله قائلًا: اهذه عمارة الملوكب.

بدوره يقول الدكتور فهمى عبد العليم مؤلف كتاب اجامع المؤيد شيخب: ايعتبر جامع ومدرسة السلطان المؤيد واحدًا من أعظم وأجمل العمائر الدينية المملوكية... وتعد واجهة جامع ومدرسة المؤيد واحدة من أعظم واجهات العمائر الدينية فى العصر المملوكى من حيث ارتفاعها الشاهق، وبما تحتويه من زخارف ودخلات ومقرنصات وكتابات كانت سمة من سمات العمارة فى ذلك العصرب. فالجامع عبارة عن متحف مفتوح للفنون الإسلامية، فهو فى تصميمه يخلص إلى تخطيط الجوامع الجامعة الكبيرة فى العاصمة الإسلامية مثل جامع عمرو بن العاص وأحمد بن طولون والحاكم بأمر الله، حيث الأروقة الأربعة وأكبرها جدار القبلة ويتوسطها الصحن المكشوف، فضلًا عن الزخرفة الهائلة واستخدام الرخام متعدد الألوان فى تزيين جدران الجامع.

ومن أهم أجزاء الجامع جدار القبلة أو الإيوان الشرقى للجامع، وعنه يقول حسن عبدالوهاب فى كتاب (تاريخ الجوامع الأثرية): اإذا وصلنا إلى الإيوان الشرقى فإننا نرى بدائع الفن مجتمعة، فالزخرف يغمر هذا الإيوان من الأرض إلى السقف، فقد كسى الجصدار الشرقى بالرخام الملون إلى ارتفاع المحراب الذى تعلوه دائرة من الرخام بها دوائر وتواشيح. ويعلو الكسوة الرخامية شبابيك جصية دقيقة كل منها من شريحتينب، ويحيط بها شريطان كتابيان عليهما آيات قرآنية والنص التأسيسى للجامع واسم وألقاب السلطان المؤيد شيخ المحمودي، كما يوجد فى جدار القبلة منبر الجامع وهو تحفة خشبية مرصعة بالصدف، وبجواره المحراب المحلى بالرخام الملون.

وقد لجأ الفنان المصرى لحيلة فنية عبقرية فلم يجعل مئذنتى الجامع أعلى سطحه كما جرت العادة بل وضعهما أعلى بدنتى باب زويلة الفاطمى.

اقرأ  أيضا: الأوقاف والآثار تتفقدان أعمال ترميم مسجد سيدي أبو القاسم الأثري بـ طهطا