رأى

قانون حماية المنافسة.. عودة التوازن للاقتصاد

المستشار طاهر الخولى وكيل اللجنة التشريعية بمجلس النواب
المستشار طاهر الخولى وكيل اللجنة التشريعية بمجلس النواب


فى ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة التى يشهدها العالم أجمع، جاء إقرار مجلس النواب فى الفصل التشريعى الحالى لقانون حماية المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية كخطوة استراتيجية تعكس إدراكًا حقيقيًا لحجم التحديات التى تواجه الاقتصاد المصرى.

فهذا القانون لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تعديل تشريعى، بل هو أداة حاكمة لإعادة ضبط إيقاع السوق المصرى، وترسيخ مبادئ الشفافية والعدالة، ومنع أى ممارسات احتكارية تؤثر سلبًا على كفاءة الاقتصاد أو تمس حقوق المواطن.

لقد جاء توقيت إقرار القانون معبّرًا عن الوعى بطبيعة المتغيرات الراهنة، فى ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع الأسعار، وهو ما استوجب وجود تدخل تشريعى حاسم، يمكن وصفه بـ«المشرط الجراحى»، لضبط السوق ومنع أى ممارسات تعرقل حرية المنافسة أو تضر بالمستهلك.

ويستند القانون فى فلسفته إلى نصوص الدستور، التى تؤكد أن النظام الاقتصادى يقوم على مبادئ الشفافية والمنافسة ومنع الاحتكار، فضلًا عن المواد التى تعزز من استقلالية الأجهزة الرقابية.

وحملت التعديلات نقلة نوعية فى الفكر التشريعى، من خلال التحول من «الرقابة اللاحقة» إلى «الرقابة المسبقة» على عمليات الاندماج والاستحواذ، بحيث لا تصبح أى عملية تركز اقتصادى نافذة إلا بعد موافقة جهاز حماية المنافسة، وهذا التحول لا يكتفى بمعالجة المخالفات بعد وقوعها، بل يمنع نشأتها من الأساس، ويحافظ على هيكل سوق متوازن يتيح فرصًا عادلة أمام جميع الفاعلين، خاصة صغار المستثمرين.

كما حرص المشرّع على أن تكون العقوبات رادعة وحقيقية، من خلال ربطها بحجم النشاط الاقتصادى للشركات المخالفة، بما يضمن أن تكون تكلفة المخالفة أعلى من أى عائد محتمل من الاحتكار، وهو ما يعزز الالتزام بقواعد المنافسة.

والمواطن يظل المستفيد الأول؛ فالمنافسة العادلة هى الضمانة الأساسية لأسعار منضبطة، وجودة أفضل، وتعدد فى البدائل، بما يحمى القوة الشرائية ويمنع أى ممارسات استغلالية، خاصة فى السلع الأساسية.

كما أن القانون يؤكد للمستثمرين أن السوق المصرى أصبح أكثر انضباطًا وشفافية، ويخضع لقواعد مؤسسية عادلة، لا لممارسات احتكارية أو نفوذ غير مشروع، وهو ما يعزز مناخ الاستثمار، ويزيد من ثقة رأس المال المحلى والأجنبى على حد سواء.

ولا يقف أثر هذا التشريع عند حدود تنظيم السوق داخليًا، بل يمتد ليعزز من قدرة الاقتصاد المصرى على الاندماج فى الاقتصاد العالمى، حيث تتبنى أغلب الدول المتقدمة نظمًا صارمة لحماية المنافسة ومنع الاحتكار، لذلك فإن مواءمة التشريع المصرى مع هذه المعايير الدولية لا يرفع فقط من كفاءة السوق المحلى، بل يمنحه مصداقية أكبر فى أعين المؤسسات الاقتصادية العالمية.

وفى تقديرى، فإن تفعيل هذا القانون يمثل خطوة حقيقية نحو ترسيخ اقتصاد قوى ومستقر، يكون فيه المواطن فى صدارة الاهتمام، وتكون فيه سيادة القانون هى الضامن الأول لتحقيق العدالة الاقتصادية والتنمية المستدامة.