أما بعد

الجهل الجرىء!

أحمد باشا
أحمد باشا


فى جنازة لم يُحمل فيها جسد رجل واحد، بل بدت وكأنها موكب رمزى لتشييع العقل نفسه، انفجرت أزمة ذلك الطبيب الراحل، لا بوصفها حادثة فردية عابرة، بل كمرآة صادمة تعكس خللًا عميقًا فى بنية الوعى العام، وتواطؤًا لا يمكن تجاهله بين منصات الإعلام وبعض مَن يُفترض أنهم حراس المعرفة.

القضية فى جوهرها، ليست سيرة رجل أثار الجدل فى حياته، واستدعاه الموت ليعيد إنتاج هذا الجدل بصورة أكثر اتساعًا، وإنما هى سؤال فادح؛ كيف تحول الجهل من عارض هامشى إلى سلعة رائجة، ومن رأى شاذ إلى «نظرية» تجد مَن يصفق لها ويمنحها المنابر والميكروفونات؟!

ما هالنى، كما هال كثيرين، ليس فقط جرأة الطرح الذى كان يقدمه ذلك الطبيب، بل جرأة الجهل ذاته، حين يخلع عن نفسه خجل الادعاء، ويتقدم بثقة زائفة إلى صدارة المشهد. الأخطر من ذلك، أن هذا الجهل لم يتحرك فى فراغ، بل وجد إعلامًا يفرش له السجاد الأحمر، ويصنع منه «ظاهرة» ويغلفه بهالة كاذبة من التميز والاختلاف، حتى التبست الترهات على بعض العقول، فبدت كأنها اجتهادات علمية تستحق النقاش!

الإعلام هنا لم يكن مجرد ناقل محايد، بل شريكًا فى صناعة الوهم. ارتكب خطيئته الكاملة حين استبدل معايير المهنية بمعايير الإثارة، وحين فضّل «الترند» على الحقيقة، ففتح الهواء لكل مَن يملك القدرة على الإدهاش، لا على الإقناع. ومع ذلك، لم نرَ مراجعة جادة، ولا اعتذارًا صريحًا من أولئك الذين منحوا المساحات، وصنعوا من الهامش متنًا، ومن الشذوذ قاعدةً تُبث على الهواء مباشرة.

هذا التواطؤ انعكس بالضرورة على صورة البحث العلمى فى مصر، وكأننا - ظلمًا وبهتانًا - أمة أغلقت مختبراتها، وعلّقت عقولها على جدران الخرافة. والحقيقة أن مصر التى أنجبت علماء أفذاذًا، لا تزال تملك من العقول ما يكفى لإضاءة المنطقة بأسرها، لكن الضجيج حين يعلو، يحجب الضوء، ويمنح الظلال فرصة التمدد.

الأخطر كذلك، هو الأثر الممتد على صورة القطاع الطبى، حين يُختزل فى نماذج شاذة، فيُظن أن الجهل صار ظاهرة، وأن غير المؤهلين باتوا هم القاعدة. وهى مغالطة قاسية، تسىء إلى آلاف الأطباء الذين يحملون على أكتافهم أمانة العلم والإنسان.

لكن السؤال الأكثر إلحاحًا يظل معلقًا.. كيف يسلم بعض المتعلمين عقولهم بهذا السهولة؟ كيف يمكن لإنسان حصل على قدر معتبر من التعليم، أن يتنازل طوعًا عن أبسط أدوات النقد، ويمنح ثقته لمَن لا يملك إلا خطابًا مرتبكًا أو ادعاء أجوف؟ هنا تتكشف أزمة أعمق من مجرد إعلام أو فرد؛ إنها أزمة تعليم لم ينجح بعد فى ترسيخ ثقافة الشك المنهجى، ولا فى تدريب العقول على التمييز بين العلم والادعاء.

نحن، إذن، أمام جرس إنذار لا يحتمل التأجيل. المطلوب ليس فقط محاسبة إعلام أخطأ، بل إعادة بناء منظومة تُعلى من التفكير النقدى، وتعيد الاعتبار للعلم بوصفه منهجًا لا شعارًا. فالأمم لا تموت حين يرحل أفرادها، بل حين تفقد قدرتها على التمييز بين الحقيقة والزيف.

وإذا كانت تلك الجنازة قد بدت، فى لحظة ما، وكأنها تشييع للعلم، فإن الفرصة لا تزال قائمة لاستعادته. لا بالبكاء عليه، بل بالدفاع عنه، وحمايته من أن يتحول مرة أخرى إلى ضحية على موائد الجهل والجهلاء.