التاريخ يُعيد إنتاج نفسه فى سيناء، فى صور الصمود والشموخ.. خاضت معركتين وجوديتين، الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلى الغاشم، والثانية ضد الإرهاب الأسود، وكان منطق السيادة هو الغالب، وقدسية التراب هى المحرك، واليوم تخرج سيناء من نفق المواجهات إلى آفاق العمران، لتثبت للعالم أن مَن استرد الأرض بالحرب والتضحيات، هو الأقدر على تعميرها بالحب والعمل، وتشرق من جديد شمس التنمية فوق جبالها ووديانها.
فى حرب أكتوبر، لم يكن العبور مجرد عملية عسكرية، بل لحظة فاصلة.. جيش عظيم استطاع أن يهدم أسطورة رَوَّج لها العدو، وحطم خط بارليف الذى قيل إنه لا يُقهر، فى ست ساعات فقط، كانت كافية لسقوط أوهام القوة الزائفة، وصارت التحصينات ركامًا والدبابات والطائرات، أهدافًا لرجال آمنوا بأن «ما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة».
الجيش الذى قهر الغرور الإسرائيلى، كان قادرًا على مواجهة جماعات إرهابية، تختبئ فى الجبال وتضرب فى الخفاء، ولم تكن تلك المواجهات سوى اختبار آخر، أثبت فيه الأبطال أن المعركة مهما تغيرت أشكالها، فإن نتيجتها واحدة، لا مكان لمَن يهدد أمن الوطن.
وفى ذكرى الخامس والعشرين من أبريل ١٩٨٢، يتجسد منطق القوة واستعادة السيادة الكاملة، برهانًا قاطعًا على أن إرادة الشعوب هى التى ترسم الحدود، وتتويجًا لمسيرة تضحيات طويلة خاضتها الدولة لاسترداد حقها، لتبقى الذكرى رسالة استراتيجية مفادها أن تراب سيناء خط أحمر، وأن التنازل عن حفنة من رمالها خارج حدود التفاوض.
حاول الاحتلال بعد نكسة ١٩٦٧، أن يرسخ وجوده، وأن يحول الهزيمة إلى واقع دائم، لكنه اصطدم بشعب لا يعرف الاستسلام، وجاءت لحظة الإفاقة قاسية، حين عبرت القوات المصرية القناة، وارتفعت الأعلام فوق أرض سيناء، وكان المشهد زلزالًا عسكريًا وسياسيًا غَيَّر موازين القوى.
ولم يكن السلام الذى تلا الحرب هدية أو تنازلًا، بل نتيجة طبيعية لصمود شعب، ودماء سالت دفاعًا عن الأرض، وأدرك العدو أن كُلفة البقاء أكبر من الرحيل، وأن سيناء ستظل مقبرة لكل مَن يحاول فرض نفسه عليها، حتى المستعمرات التى حاولوا تثبيتها، انتهت إلى حطام، فى مشهد يلخص مصير كل مَن يراهن على البقاء فوق أرض ليست له.
واليوم تقف سيناء شامخة كما هى دائمًا، مصرية الهوى، خالصة الانتماء، وأرضًا لا تنطق إلا بلسان أصحابها، ومَن يتوهم أن بإمكانه انتزاع موطئ قدم من رمالها، يجهل أبجديات العقيدة العسكرية للجيش المصرى، ويغفل عن إرادة شعب لم يكتب تاريخه بالحبر، بل بمداد من دماء الشهداء.
تجاوزت سيناء كونها أرضًا تحررت لتصبح دستورًا وطنيًا، فحواه أن المساس بالتراب المصرى مقامرة خاسرة، وأن هذا الوطن يمتلك من الإرادة ما يجعله لا ينام لحظة، حتى يستعيد كامل ترابه الوطنى.

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







