يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: «ثم يقول الحق سبحانه وتعالى مبينا حالات الإنفاق والأزمان التى يحدث فيها وذلك فى قوله تعالى: ﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرًّا وَعَلاَنِيَةً...﴾
إن المسألة فى الإنفاق تقتضى أمرين: إما أن تنفق سرًا، وإما أن تنفق علانية. والزمن هو الليل والنهار، فحصر الله الزمان والحال فى أمرين: الليل والنهار فإياك أن تحجز عطيّةً تريد أن تعطيها وتقول: «بالنهار أفعل أو فى الليل أفعل؛ لأنه أفضل» وتتعلل بما يعطيك الفسحة فى تأخير العطاء، إن الحق يريد أن تتعدى النفقة منك إلى الفقير ليلًا أو نهارًا، ومسألة الليلية والنهارية فى الزمن، ومسألة السرية والعلنية فى الكيفية لا مدخل لها فى إخلاص النية فى العطاء.
﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ باليل والنهار سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أقالت الآية: الذين ينفقون أموالهم بالليل أو النهار؟ لا، لقد طلب من كل منا أن يكون إنفاقه ليلًا ونهارًا وقال: «سرًا وعلانية» فأنفق أنت ليلًا، وأنفق أنت نهارا، وأنفق أنت سرًا، وأنفق أنت علانية، فلا تحدد الإنفاق لا بليل ولا بنهار، لا بزمن ولا بكيفية ولا بحال.
إن الحق سبحانه استوعب زمن الإنفاق ليلًا ونهارا، واستوعب أيضًا الكيفية التى يكون عليها الإنفاق سرًا وعلانية ليشيع الإنفاق فى كل زمن بكل هيئة، وهنا يقول الحق سبحانه وتعالى عن هؤلاء: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وهذا القول يدل على عموم من يتأتى منه الإنفاق ليلًا أو نهارًا، سرًا أو علانية.
وإن كان بعض القوم قد قال: إنها قيلت فى مناسبة خاصة، وهى أن الإمام عليًّا كرم الله وجهه ورضى عنه كانت عنده أربعة دراهم، فتصدق بواحد نهارًا، وتصدق بواحد ليلا، وتصدق بواحد سرًا، وتصدق بواحد علانية، فنزلت الآية فى هذا
الموقف، إلا أن قول الله: ﴿فَلَهُمْ﴾ يدل على عموم الموضوع لا على خصوص السبب، فكأن الجزاء الذى رتبه سبحانه وتعالى على ذلك شائع على كل من يتأتى منه هذا العمل.
وقول الله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ هنا نجد أن كلمة «أجر» تعطينا لمحة فى موقف المؤمن من أداءات الإنفاق كلها؛ لأن الأجر لا يكون إلا عن عمل فيه ثمن لشيء، وفى أجر لعمل. فالذى تستأجره لا يقدم لك شيئا إلا مجهودا، هذا المجهود قد ينشأ عنه مُثْمَنٌ، أَيْ شيء له ثمن، فقول الله ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ يدل على أن المؤمن يجب أن ينظر إلى كل شيء جاء عن عمل فالله يطلب منه أن ينفق منه.
إن الله لا يعطيه ثمن ما أنفق، وإنما يعطيه الله أجر العمل، لماذا؟ لأن المؤمن الذى يضرب فى الأرض يخطط بفكره، والفكر مخلوق لله، وينفذ التخطيط الذى خططه بفكره بوساطة طاقاته وأجهزته؛ وطاقاتُه وأجهزته مخلوقة لله، ويتفاعل مع المادة التى يعمل فيها، وكلها مخلوقة لله، فأى شيء يملكه الإنسان فى هذا كله؟ لا الفكر الذى يخطط، ولا الطاقة التى تفعل، ولا المادة التى تنفعل؛ فكلها لله.
إذن فأنت فقط لك أجر عملك؛ لأنك تُعمل فكرا مخلوقا لله، بطاقة مخلوقة لله، فى مادة مخلوقة لله، فإن نتج منها شيء أراد الله أن يأخذه منك لأخيك العاجز الفقير فإنه يعطيك أجر عملك لا ثمن عملك. لكن المساوى لك فى الخلق هو الإنسان إن أخذ منك حصيلة عملك فهو يعطيك ثمن ما أخذ منك، فهى من المخلوق المساوى «ثمن»، وهى من الخالق الأعلى أجر؛ لأنك لا تملك شيئا فى كل ذلك.
وبعد ذلك يقول الحق: ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ والخوف هو الحذر من شيء يأتي، فمن الخائف؟ من المخوف؟ ومن المخوف عليه؟ ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ممن؟
يجوز أن يكون ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من أنفسهم؛ فقد يخاف الطالب على نفسه من أن يرسب، فالنفس واحدة خائفة ومخوف عليها، إنها خائفة الآن ومخوف عليها بعد الآن. فالتلميذ عندما يخاف أن يرسب، لا يقال: إن الخائف هو عين المخوف؛ لأن هذا فى حاله، وهذا فى حاله.
أو ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من غيرهم، فمن الجائز أن يكون حول كثير من الأغنياء أناس حمقى حين يرون أيدى هؤلاء مبسوطة بالخير للناس فيغمرونهم ليمسكوا مخافة أن يفتقروا كأن يقولوا لهم: «استعدوا للزمن فوراءكم عيالكم». لكن أهل الخير لا يستمعون لهؤلاء الحمقى.
إذن فـ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ لا من أنفسهم، ولا من الحمقى حولهم. ويتابع الحق: ﴿وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أى لا خوف عليهم الآن، ولا حزن عندهم حين يواجهون بحقائق الخير التى ادخرها الله سبحانه وتعالى لهم، بل إنهم سيفرحون.
«سيلفى الحج»| علماء: جائز ما لم يشغل عن العبادة
العبادة ليست موسمًا عابرًا| العلماء: الثبات على الطاعة علامة صدق الإيمان
خواطر الشعراوى| فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ







