مرت علينا فى 15 أبريل الجارى الذكرى 134 لميلاد الموسيقار المجدد الكبير محمد القصبجى الذى يُقال فيه مجلدات لما له من أفضال على الموسيقى والغناء، ونقدم فى ذكرى ميلاده ما كتبه عنه الشاعر الكبير صالح جودت فى المقال الذى يقول فيه :
- هذا شيخ من شيوخ الفن، شيخ سناً، ومكانة وعمامة، والسن رقم لا تستطيع أن تنتزع حقيقته من العبقرى محمد القصبجى، ولكنك تعرفه بغير سؤال، حينما يترك القصبجى ذقنه يوماً واحداً بغير حلاقة، فيتألق فيها الشعر الأبيض الناصع الذى ودع سواده منذ أجيال، وتعرف سنه من مجموعة اسطوانات الشيخ أمين حسنين ومحمد نور وسيد الصفتى وزكى مراد والد ليلى مراد، وكلها من تلحينه !
ومن حيث المكانة، فالرجل صاحب عرش من عروش التلحين الثلاثة، عروش زكريا أحمد والقصبجى والسنباطى وبأغنية واحدة صنع انقلاباً فى تاريخ الموسيقى الشرقية يوم قدم لأم كلثوم لحن «إن كنت أسامح وانسى الأسيه»، الذى لا يزال يرن فى آذان من سمعوه، والذى كان الصفحة الأولى فى كتاب الموسيقى المصرية بعد رحيل خادمها سيد درویش.
ومن حيث العمامة، فالقصبجى واحد من الفئة الخيرة، التى نشأت فى رحاب الأزهر الشريف، لكنه ترك رواق الأزهر إلى رواق الأنغام التى ازدهرت على يديها أجيال متعاقبة، ومنهم: أبو العلا وسكر والمنيلاوى والحريرى وسيد درويش وزكريا أحمد والقصبجى وغيرهم، وقد خلع العمامة وارتدى الملابس الأفرنجية، لكنه ظل معتزاً بنشأته الأزهرية، وحفظه للقرآن، وترتيله فى أول الصبى الذى حبب إليه الفن والموسيقى، ولا يعرف أحد حجم الثروة التى حققها القصبجى من التلحين، وهو يؤكد أنه لا يملك إلا الستر والثروة لا يدرك مداها عباد الله الفقراء، وما أكثر ما يشقى بالحرمان منها عباده الأغنياء !
وتؤكد أم كلثوم أن القصبجى يملك بيتاً يقيم به خلف قسم عابدين، وآخر فى الخليج المصرى، ونقداً لا يقل عن خمسين ألفاً من الجنيهات تحت البلاطة !، وعلى هذا الأساس يكون القصبجى من أثرياء الملحنين بعد عبد الوهاب وأم كلثوم وليلى مراد وسامى الشوا، أى أنه خامسهم، زاده الله من نعيمه، فإنه من أغنى الموسيقيين بفنه الضخم، ويشيع الخبثاء النكات عن حرصه وبخله فيقسم أن كل ما يقال على خلاف الحقيقة، وهو بحكم طبيعته ونشأته وأخلاقه، متقشف، ولا يحب السهر ولا يتعاطى الخمر ولا يدخن وغير مُغرم بمسألة الإنفاق على الأناقة، ومع ذلك له هوايات تكلفه الكثير، فهو متيم بجمع وشراء الساعات، ويمتلك منها مجموعة نادرة، ومُغرم بكل جديد فى عالم آلات التسجيل، وعنده من الأشرطة الخاصة المُسجلة ما يستطيع أن يؤدى بك، لو حادثته مرة فى التليفون، إلى محكمة الجنايات !
نشأ القصبجى والفن فى دمه، إذ كان أبوه من أئمة الإنشاد، يوم كان الإنشاد فناً تمارسه أسماء ضخمة، ومنهم: الشيخ يوسف المنيلاوى والشيخ خليل محرم والشيخ الشنتورى، ولكن الشيخ القصبجى الكبير لم يكن يتكسب من الإنشاد فى الليالى، كان يكتفى بالتلحين لأهل الغناء، ومن العجيب أنه كان الوحيد بين المعممين، الذى يؤمن بالنوتة الأفرنجية ويتقنها، وورث محمد من والده حب الفن وعزف العود وموهبة التلحين والتعلق بالنوتة الأفرنجية، واشتغل فى مستهل حياته بالتدريس بمدرسة عبد العزيز الأولية، واستقال عندما تهكم عليه أحد المفتشين وقال له : كيف تجمع بين حرمة التدريس وبهدلة الآلتية ؟
بدأ حياته «آلاتياً» يعزف على العود فى فرقة المرحوم محمد العقاد الكبير، ولحن لكثير من أهل الغناء فى ثلاثة أجيال متعاقبة، ومن أشهر ألحانه القديمة لمنيرة المهدية «بعد ١٣ سنة - وبعد العشا - وشال الحمام، وغيرها»، وقدم للمسرح الغنائى عدة أوبريتات رائعة، ولحن لأم كلثوم عشرات من أبرع ما غنت، ووصلا معاً لقمة المجد، واصبح عوداً فى فرقتها من أجل حبه للفن، وأم كلثوم تقدره وتستهل حفلاتها بواحدة من روائع القصبجى الذى أحبها من طرف واحد، لم ينجب من يرث منه موهبته، وألحانه التى وضعها لأم كلثوم هى فلذة أكباده.
صالح جودت «الكواكب» - 14 أبريل 1953

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







