نقطة نظام

محمد عبد الوهاب.. نغم عابر للزمن

مديحة عزب
مديحة عزب


عبد الوهاب لم يكن مجرد مطرب أو ملحن بل هو أحد صناع التاريخ المصرى

بكل استمتاع تابعت على قناة ماسبيرو زمان وعلى مدى واحد وعشرين حلقة هى مجموع حلقات برنامج النهر الخالد، هذه الحلقات تحكى رحلة موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب فى الفن وفى الحياة، وذلك من خلال حوار شيق أجراه معه الكاتب والأديب الكبير الراحل سعد الدين وهبة فى ثمانينيات القرن الماضى، ولم أكن قد عاودت مشاهدته منذ عرضه لأول مرة منذ عشرات السنين..

هذا الرجل عاش لتسعين عاما كان فيها أهم رموز الموسيقى العربية فى القرن العشرين، وكان جديرا بلقب موسيقار الأجيال حيث نقل الأغنية العربية من عصر الطرب التقليدى البحت إلى عصر التعبير الموسيقى والذى لم يكن قد سبقه إليه إلا العبقرى سيد درويش وإن كان عمره القصير لم يسعفه لتقديم المزيد.. 

محمد عبد الوهاب بدأ حياته الفنية طفلا يغنى بين فصول المسرحيات التابعة لفرقة فوزى الجزايرلى ثم فرقة نجيب الريحانى ثم فرقة عبد الرحمن رشدى إلى أن التقطه وتبنى موهبته أمير الشعراء أحمد شوقى والتحق بأول معهد أنشئ فى مصر للموسيقى العربية وتعلم العزف على العود من الملحن الكبير محمد القصبجى، ومن نجاح لنجاح أكبر حتى تسيّد جميع مطربى عصره وهو لا يزال فى سن الشباب..

أما من ناحية التجديد فقد كان عبد الوهاب ثورة موسيقية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وعبقرية سبقت العالم كله شرقا وغربا واستطاع أن يثبت للكوكب حتى بعد مماته أنه موسيقار ومطرب البشر الأولين والآخرين، أدخل الآلات الغربية إلى التخت الشرقى واستخدم جميع الإيقاعات فى موسيقاه، وكانت ألحانه كما وصفها مختلف الموسيقيين المتخصصين صاحبة جبروت جعلها حية إلى وقتنا هذا، ومازلت أذكر كلمة للملحن الراحل كمال الطويل فى حديث صحفى قبل وفاته عن التجديد الموسيقى فقال «إننى كلما توصلت إلى فكرة جديدة اكتشف أن عبد الوهاب قد وصل إليها قبلى واضعا رجل على رجل»..

كذلك عندما سئل الفنان الراحل عبد الحليم حافظ عمّن هو خليفة محمد عبد الوهاب فى الموسيقى، قال «لا أعتقد أن هناك من هو جدير بهذا اللقب حيث إن كل ملحنى مصر من أول السنباطى حتى بليغ مايجوش شعرة فى رأس عبد الوهاب اللى كان فيه طاقة كل هؤلاء على بعض»..

مع ملاحظة أن هذا الكلام قد قاله عبد الحليم وكان الجميع على قيد الحياة، وفى حديث صحفى آخر سئل الموسيقار رياض السنباطى عن السبب الذى جعله يكف عن الغناء ويكتفى بالتلحين قال «مجنون اللى يغنى فى زمن فيه عبد الوهاب»، وجماله مش بس فى طريقة وعفقات أدائه وانتقاله بسلاسة بين المقامات ومرونة صوته المبهرة ولا فى قدرته الإعجازية على التطريب وابتكاراته للحليات والقفلات النادرة.. لا.. ده فيه جمال تانى خالص وهو خامة صوته اللى مالهاش مثيل على كوكب الأرض.. وعندما لحّن للآخرين كان كالترزى الذى يفصّل اللحن على مقاس الصوت وجعل كل أغنية لحنها له بمثابة «بطاقة هوية» لصاحبها..

والخلاصة إن عبد الوهاب لم يكن مجرد مطرب أو ملحن بل هو أحد صناع التاريخ المصرى الحديث مثله فى ذلك كالقمم الأخرى التى يزخر بها مجتمعنا فى مختلف مجالات الفن والأدب والطب والهندسة.. لقد كان هو الجسر الذى عبرت عليه الموسيقى العربية من المحلية إلى العالمية، وبرغم وفاته منذ خمسة وثلاثين عاما إلا أننا وحتى يومنا هذا لا تكاد تمر بنا مناسبة وطنية أو عاطفية إلا وكان له لحن حاضرا فيها..

أعتبر أننى محظوظة حيث عشت زمن عبد الوهاب فجيلى لم يقرأ عن الأسطورة بل عاشها وتنفسها لحنا بلحن، وكل لحن أثبت قدرته على ارتقائه بالذوق العام وصنع وجدان أمة كاملة..

ما قل ودل:

لا تصدر أحكامك القاسية على الآخرين دون أن تعاشرهم، تمهل حتى تصبح أحكامك أكثر قسوة حين تعاشرهم..