أ.د/ سحر البهائى
فى ظل تصاعد التغيرات المناخية واشتداد أزمات الطاقة والمياه، لم يعد التحول نحو نماذج إنتاج أكثر استدامة خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة اقتصادية وبيئية فى آنٍ واحد. ومن هنا تبرز الصناعات الخضراء كأحد أهم المسارات التى تعيد رسم العلاقة بين الصناعة والبيئة، وتحول خفض الانبعاثات وتقليل الهدر من عبءٍ إلى فرصة للنمو والتنافسية.
ويقصد بالصناعات الخضراء تلك الأنشطة الصناعية التى تعتمد على الاستخدام الكفء للموارد الطبيعية، وتتبنّى تقنيات الإنتاج النظيف التى تقلل الانبعاثات الملوِّثة والنفايات، مع الالتزام بالمسئولية البيئية والاجتماعية. وتتميز هذه الصناعات بالاعتماد على الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة والمياه، وتقليل البصمة الكربونية، وتطبيق مبادئ الاقتصاد الدائرى من خلال إعادة الاستخدام وإعادة التدوير، بما يحقق توازنًا بين النمو الاقتصادى وحماية البيئة ورفاه المجتمع.
ولا يقتصر التحول إلى الصناعات الخضراء على البعد البيئى فقط، بل يمتد ليشمل أبعادًا اقتصادية مباشرة، أبرزها خفض تكاليف الإنتاج على المدى المتوسط والطويل، وتعظيم كفاءة استخدام المواد الخام، وتحسين إدارة الموارد المائية، فضلًا عن تعزيز قدرة المنتجات الوطنية على النفاذ إلى الأسواق العالمية التى باتت تفرض معايير بيئية صارمة، وعلى رأسها آلية تعديل حدود الكربون (CBAM) التى يعتزم الاتحاد الأوروبى تطبيقها على بعض الواردات.
ورغم الفرص الكبيرة التى يتيحها التحول الأخضر، إلا أنه يواجه تحديات معقدة، وفق تقارير دولية حديثة، من بينها ارتفاع تكلفة الطاقة والسلع الأساسية، وعدم اليقين التنظيمى، وبطء عائد الاستثمار، ومحدودية الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا الخضراء، خاصة بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة. كما تصاحبه مخاطر اجتماعية مثل إزاحة بعض الوظائف وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يستدعى سياسات متوازنة تحمى الفئات الأكثر تأثرًا.
وتمضى مصر بخطوات عملية لتعزيز التحول نحو الصناعة المستدامة، عبر إطلاق برنامج الصناعات الخضراء المستدامة كامتداد لبرنامج مكافحة التلوث الصناعي، وبالتعاون مع شركاء التنمية الدوليين. ويستهدف البرنامج تحسين كفاءة استخدام الموارد، وخفض الانبعاثات الكربونية، ودعم توافق الصناعة المصرية مع المعايير البيئية العالمية، بما يسهم فى تعزيز تنافسية الصادرات وخلق فرص عمل جديدة.
وفى النهاية، تمثل الصناعات الخضراء استثمارًا فى المستقبل، لا يقتصر أثره على حماية البيئة، بل يمتد ليشمل بناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على المنافسة. فالمستقبل لن يكون للأكثر إنتاجًا فقط، بل للأكثر كفاءة واستدامة، حيث يصبح المصنع شريكًا للبيئة، ومحركًا للتنمية، وضامنًا لحقوق الأجيال القادمة.

من بعض ما عندنا
فتحى سند يكتب: لامؤاخذة
الإنسانية لا تعنى الانتحار





