كان القدر قاسياً، حينما جعل إيران جاراً لدول الخليج، فبدلاً من مودة الجوار، ساد القلق وتوالت الأزمات، ليبقى هذا الواقع الجيوسياسى المرير، التحدى الأبرز على طاولة القرار الخليجى.
والأزمة تكمن فى «الأيديولوجيا» التى تصدرها طهران، والتى لا ترى فى الجوار حقوقا، بل ساحات للنفوذ ومنطلقا لزعزعة الاستقرار، ومنذ عقود، لم يجنِ الخليج من جاره الشرقى سوى التدخلات المستمرة، ودعم الميليشيات، والتهديد الدائم للممرات المائية، شريان الحياة للعالم أجمع.
ويبقى أمن الخليج مرهوناً بقدرته على ردع هذا الجار، ففى عالم السياسة، لا يوقف الأطماع إلا القوة، ولا يحمى الدار إلا تماسك أهلها، أمام جارٍ اختار أن يكون مصدراً للأزمات بدلاً من أن يكون شريكا فى الاستقرار.
ومستقبل العلاقات الإيرانية الخليجية بعد انتهاء الحرب يبقى رهنا بمدى استعداد طهران لاستبدال إستراتيجية «حافة الهاوية» بـ «أرضية التفاهم»، والتخلى عن التصعيد، مقابل بناء شراكات إقليمية حقيقية تحترم سيادة الجوار.
وفى قلب المشهد، يبدو أن الولايات المتحدة «حرقت نفسها» وفقدت بريق دورها كضامن للأمن الإقليمى، بعد أن عجزت بوضوح عن توفير الحماية الفعلية، رغم ترسانة قواعدها العسكرية المنتشرة فى المنطقة.
وكشفت الأزمة أن القواعد الأمريكية، التى كان يُنظر إليها كدروع واقية، فشلت فى مواجهة الهجمات ضد المنشآت الحيوية وممرات الملاحة، مما أحدث شرخاً عميقا فى ثقة الحلفاء، بشأن جدوى الاعتماد على مظلة أمنية، أثبتت التجربة ضعفها عند أول اختبار حقيقي.
والواقع يشير إلى أن التواجد الأمريكى تحول من أداة للردع إلى سبب مباشر للاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، حيث اتخذت طهران من هذا الوجود ذريعة لتصفية حساباتها مع واشنطن، على حساب أمن المنطقة واستقرارها.
وسقطت «الأفكار الكوميدية» التى روج لها ترامب وفريقه، حين توهموا أن الضغوط القصوى ستدفع الشعب الإيرانى للخروج إلى الشوارع للإطاحة بالنظام، فرحا بـ«قنابل الرحمة» الأمريكية، التى تخلصه من واقعه المأساوى، وأثبت الواقع أن هذه الحسابات كانت منفصلة تماماً عن تعقيدات الداخل الإيرانى.
سيجد ترامب نفسه مضطراً فى نهاية المطاف لقبول «تسوية صفرية»، لا تحقق انتصاراً استراتيجيا كاملا، وتكتفى فقط بحفظ ماء وجهه، أمام الرأى العام الأمريكى، بعد أن أدرك أن الرهان على تغيير الأنظمة من الخارج ليس سوى سراب سياسى، أدى إلى تقوية التشدد بدلاً من إضعافه.
وتدرك دول المنطقة أن استقرار «البيت الخليجى» ضمانة حتمية لمنع الانفجار الشامل، وأن الأمن الحقيقى يُبنى بالتفاهمات، لا بالهجمات الصاروخية أو القواعد الأجنبية، وأن الانتقال من عقلية الصراع إلى منطق «المصالح المشتركة»، هو المخرج لضمان استمرار قطار التنمية، بعيدا عن التوتر والحروب.
«ما بعد الحرب» لن يكون كما قبلها، ولم يبقَ أمام الجميع سوى الجلوس على طاولة الواقعية، والسعى لولادة إقليم يقرر مصيره بنفسه، ويطوى صفحة العقود الضائعة.. فصل جديد من الاستقرار تصنعه أياد إقليمية لا إملاءات دولية.

مجدى حجازى يكتب: «رائعة».. د. نجوى كامل
محمود بسيونى يكتب: القاهرة عاصمة «النفس الطويل»
حين تتكلم الحقائق (3)






