العزلة المتجمدة .. دراسة تكشف تغيّرات مقلقة في دماغ البشر بأنتاركتيكا

القارة القطبية الجنوبية
القارة القطبية الجنوبية


في واحدة من أقسى البيئات على وجه الأرض، لا يقتصر التحدي على مواجهة البرد القارس والظلام الطويل، بل يمتد إلى أعماق الدماغ البشري، فقد كشفت دراسة علمية حديثة أن الإقامة لفترات طويلة في القارة القطبية الجنوبية قد تُحدث تغيّرات بيولوجية ومعرفية ملحوظة، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جديدة حول قدرة الإنسان على التكيف مع البيئات المعزولة والقاسية.

أظهرت دراسة نُشرت في مجلة The New England Journal of Medicine أن البقاء لفترات ممتدة في القارة القطبية الجنوبية قد يؤثر بشكل مباشر على بنية الدماغ ووظائفه، خاصة تلك المرتبطة بالذاكرة والانتباه.

اقرأ أيضًا| علماء يكشفون أدق خريطة لقاع المحيط الجنوبي بأنتاركتيكا

وأُجريت الدراسة على فريق بحثي أقام لمدة 14 شهراً في محطة محطة نيوماير الألمانية، حيث واجه المشاركون ظروفاً بيئية قاسية، تضمنت درجات حرارة قد تصل إلى 50 درجة مئوية تحت الصفر، إلى جانب فترات طويلة من الظلام شبه الكامل خلال الشتاء، وعزلة شبه تامة عن العالم الخارجي.

وشارك في الدراسة 13 باحثاً خضعوا لسلسلة من الفحوصات الدقيقة قبل وأثناء وبعد المهمة، شملت تصوير الدماغ باستخدام الرنين المغناطيسي، وتحاليل بيولوجية، واختبارات لقياس القدرات المعرفية،

كما تمّت مقارنة النتائج مع مجموعة أخرى خارج هذه البيئة لضمان دقة التحليل.

وكشفت نتائج التصوير العصبي عن تقلص ملحوظ في منطقة "التلفيف المسنن" داخل الحُصين، وهي منطقة دقيقة تلعب دوراً محورياً في تكوين الذاكرة قصيرة وطويلة المدى، فضلاً عن دعم مهارات التوجيه المكاني. وكان هذا التغير أكثر وضوحاً لدى أفراد البعثة مقارنة بغيرهم.

كما رصد الباحثون انخفاضاً في مستويات بروتين BDNF، وهو عنصر أساسي يعزز نمو الخلايا العصبية ومرونة الدماغ، وبدأ هذا التراجع في الظهور بعد الأشهر الأولى من المهمة، واستمر حتى بعد عودة المشاركين إلى حياتهم الطبيعية، ما يشير إلى تأثير ممتد لهذه الظروف القاسية.

وعلى المستوى المعرفي، أظهرت الاختبارات تراجعاً في القدرة على التركيز والانتباه الانتقائي، إلى جانب ضعف في المهارات المكانية مثل تحديد الاتجاهات والتنقل، كما لوحظ أن التحسن الطبيعي المتوقع مع تكرار الاختبارات كان أقل لدى أفراد البعثة، خاصة أولئك الذين شهدت أدمغتهم تغيّرات في الحُصين.

وأكد فريق البحث أن قوة هذه النتائج تكمن في تكامل البيانات بين الفحوصات العصبية والتحاليل البيولوجية والاختبارات السلوكية، ما يعزز مصداقية الاستنتاجات حول تأثير البيئات القاسية على الدماغ البشري.

ورغم أهمية هذه النتائج، أشار الباحثون إلى أن حجم العينة لا يزال محدوداً، وهو أمر شائع في مثل هذه الدراسات بسبب صعوبة العمل في بيئات معزولة كأنتاركتيكا، ومع ذلك، فإن هذه البيئة تُعد نموذجاً فريداً لدراسة التكيف البشري، لما تتسم به من عزلة طويلة وقلة محفزات حسية وثبات المشهد الطبيعي لفترات ممتدة.

وفي ضوء هذه المعطيات، يسعى العلماء مستقبلاً إلى دراسة ما إذا كان النشاط البدني أو تعديلات نمط الحياة يمكن أن تحد من هذه التأثيرات، خاصة مع تزايد الاهتمام بالبعثات الفضائية طويلة الأمد، التي تشترك في ظروف العزلة والحرمان الحسي.

وتمنح هذه الدراسة فهماً أعمق لكيفية استجابة الدماغ البشري للبيئات القاسية، ما قد يسهم في تطوير استراتيجيات لحماية الصحة العقلية في المهمات العلمية والفضائية المستقبلية.