ياسمين هانى
وسط التطورات المتلاحقة تتكشف تفاصيل جديدة بشأن الأزمة فى الشرق الأوسط بما يثبت أن ما يدور أمام الشاشات ويصل للمشاهدين ليس كل الحقيقة.
وقبل أيام، كشف تقرير لصحيفة الجارديان البريطانية عن دور صينى «أساسى» فى مفاوضات وقف إطلاق النار وهدنة الأسبوعين بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وهى هدنة دخلت حيز التنفيذ بشكل كامل قبل يومين مع وقف مؤقت لإطلاق النار فى لبنان، كما كانت تشترط طهران.
اقرأ أيضًا| هل يمكن أن تلعب الصين دورا في المحادثات الجديدة بين واشنطن وطهران؟
هذا الدور الصينى يمكن قراءته فى عدة سياقات. وفيما يتعلق بسياق الحرب والقتال، تحدثت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية عن دعم تكنولوجى عسكرى قدمته شركات صينية لإيران بينما نقلت قناة «سى بى اس» عن تقارير استخباراتية أمريكية أن الصين تبحث تزويد إيران بنظام رادار فائق التقدم. وفى حين أن هذه التقارير لم تعلق عليها بكين، لكن فى كل الأحوال يمكن توقع وجود قدر من الدعم، وليس الالتزام، لطهران. هذا الدعم له أكثر من وظيفة. فـ»صمود» إيران قد يؤدى إلى الحفاظ على توازن القوى فى الإقليم وعالميا، ويثبت، على النطاق الاستراتيجى، عدم قدرة الجيش الأمريكى على حسم الصراعات..
كما قد تحافظ بكين عبر دعمها لطهران على نظام صديق يمد الصين بنسبة غالبة من النفط المنتج محليا، فالصين هى أكبر مشتر للنفط الإيرانى، وأى سيطرة أمريكية على جزيرة «خرج» الاستراتيجية او حتى تدمير منشآت الطاقة الإيرانية، كما تهدد واشنطن، لن يطال فقط هذه الكميات التى يتم شحنها للصين، لكن أيضا سيتسبب فى اضطراب فى السعر العالمى للنفط والذى هو دعامة الصناعة الصينية التى رفعت البلاد لمصاف الدول العظمى. كما أن مخزونات النفط الاحتياطية فى الصين كانت تقدر ابان بدء الحرب بفائض لثلاثة أشهر، والآن مضى أكثر من شهر على الحرب..
لكن كشف أمريكا عن هذا الدعم التكنولوجى والعسكرى الذى تقدمه الصين لإيران، له وظيفة سياسية. فمن البديهى فى واشنطن أن تساعد بكين طهران، لكن لماذا الكشف عن ذلك الدعم الآن؟
يمكن تفسير ذلك بالعودة لنظرية «اليوم التالى للحرب». واستخدم المفهوم للمرة الأولى فى عدوان غزة «٢٠٢٣- ٢٠٢٥» للدلالة على التصور الإسرائيلى لمستقبل القطاع.. وأثبتت الأحداث أن إسرائيل قد تخبطت ما بين الأهداف العسكرية والسياسية والدينية المتطرفة ولم يكن لها خطة واقعية لـ»اليوم التالى»..
وتكشف حرب إيران الوضع نفسه بالنسبة لواشنطن. فالرئيس الأمريكى الذى خالف تقديرات من سبقوه فى البيت الأبيض وقرر خوض حرب فى إيران، قام بتبديل أهدافها مع مرور الأيام، بين أهداف سياسية وأخرى عسكرية، بينما تحدثت بعض الأصوات عن أهداف أخرى متطرفة.
اقرأ أيضًا| روبوتات تقود الإنتاج في المصانع المظلمة بالصين| ما القصة؟
وتراوح الخطاب فى واشنطن من إسقاط النظام وتحرير الإيرانيين، إلى أهداف عسكرية تتعلق بالبرنامج الصاروخى والسيطرة على اليورانيوم المخصب، كما أعرب أحيانا عن رغبته فى السيطرة على النفط الإيرانى وهدد بإنزال برى على جزيرة خرج، ثم ظهرت خطابات تربط الحرب بنبوءات دينية تتعلق بمعركة آخر الزمان، قبل أن يتعلق الأمر أخيرا بكثرة بفتح مضيق هرمز أمام السفن.. لدرجة ان الأمريكيين باتوا يتساءلون عن الأهداف الحقيقية للحرب!
وأمام التخبط الأمريكى وفشل العملية العسكرية فى فرض أى من هذه الأهداف، سعى ترامب مرارا للدعم الدولى، تارة بالضغط وتارة بالإقناع.. فبداية يبدو أن الخطة الإسرائيلية وراء دفع واشنطن للحرب كانت تقوم على إقحام الخليج المتعرض للعدوان الإيرانى فى الحرب واستنزاف القوى الإقليمية فى قتال يستمر لسنوات ويعفى تل أبيب مؤقتا من المواجهة كما يشغل الإيرانيين لسنوات فى صراعات إقليمية تستنزف قدرات بلادهم..
لكن اليقظة والوعى اللذين دلت عليهما السياسة الدفاعية «دون الهجومية» للدول الخليجية أحبط ولا شك واضعى تلك الخطط الشيطانية. ثم قام ترامب بدعوة حلفاء الناتو الذين رفضوا دعوته للانخراط فى القتال «لتحرير هرمز» فقام بإهانتهم وإهانة الحلف العسكرى الذى وصفه بـ»نمر من ورق»..
ثم حاول ترامب أخيرا إقناع الدول المستفيدة من تدفق النفط عبر هرمز، وهم بالأساس الصين، اليابان، كوريا الجنوبية والهند، بتحرير المضيق من أجل مصالحهم أنفسهم.. لكن هذه الدول رفضت حيث إنها لم تتضرر بشكل كامل من إغلاق المضيق مع تأكيدات إيرانية سابقة بأن السفن «غير المعادية» تمر بالفعل وتصل وجهاتها..
وربما كان هذا الموقف الإيرانى هو من أجج الخلاف فى الجبهة الغربية، حيث يسعى الأوروبيون لتأمين تدفقات الغاز بصفة أساسية، بالسلم وليس الحرب.. وكيف الحرب والجيش الأمريكى نفسه عالق فى قتال لا يعرف أهدافه بعد ولا يعرف مخرجا منه بعد؟!
لم يكن أمام ترامب بعد ذلك إلا فرض حصار على المضيق.. فلا سفن ستمر لأى دولة.. وذلك لإجبار الجميع على المشاركة فى حل الأزمة، فلا رفاهية لأحد فى «المشاهدة» من بعيد.. بل على الجميع أن يضعوا هم اقتراحات للحل ليقبلها ترامب.. وبمعنى آخر: ليشارك الجميع قسرا فى صياغة خطة «اليوم التالى» ليتم عرضها وبحثها فى واشنطن.. ويبدو أن ترامب كان يقصد بالأساس الصين.. والدليل أنه بعد ساعات من دخول الحصار حيز التنفيذ، صرح ترامب بأنه يتوقع من الصين القيام بدور! وذلك فى الوقت الذى «ضغطت» فيه التقارير الأمريكية بالكشف عن ذلك الدعم التكنولوجى العسكرى الصينى لإيران..
أما الصين، فقد اعتبر تحليل لرويترز أنها تستغل هذه الفرصة لتستعرض دورا دبلوماسيا مميزا، تستبق به اللقاء المزمع مع ترامب منتصف مايو القادم..
وبهذا المعنى، تكون «قوتها الدبلوماسية» مصدر نفوذ محسوب جيدا لدى واشنطن يمكنه «حل نزاعات معقدة».. ومن ثم نقطة قوة.. لكنها فى الوقت نفسه استخدمت هذا النفوذ لتقديم خدمة سياسية كبادرة طيبة تجاه البيت الأبيض قبل لقاء شديد الأهمية ترتقبه الأوساط الاقتصادية العالمية. واللقاء الذى كان مقررا فى الأصل فى ٢ أبريل الجارى وأرجأه ترامب فى إطار ضغطه على الصين فيما يتعلق بإيران، بات الآن إحدى أدوات ترامب لتهدئة الأسواق فى وقت مضطرب جدا بسبب الحرب.
فالأوساط الاقتصادية التى دفعت بهم الحرب إلى مهب ريح عدم اليقين هى الآن فى أمس الحاجة للاطمئنان والاستقرار، وقد يكون لقاء ترامب والرئيس الصينى شى جين بينج إحدى وسائل بث الطمأنة فى الأسواق. وهو أيضا ما قد تستغله بكين للضغط على أمريكا لإبداء مرونة فى الملف الإيرانى.. ولا أدل على ذلك من إعلان ترامب قبل يومين أن الولايات المتحدة هى من أوقفت قصف إسرائيل للبنان، وقال «نحظر عليهم ضرب لبنان».. وهو كان شرطا إيرانيا لإتمام صفقة الهدنة وإعادة فتح المضيق.
يوما بعد آخر يتكشف دور صينى كبير فى حل الأزمة والتقريب بين الجبهتين الأمريكية والإيرانية، وهو دور لا يحافظ فقط على التوازن الاستراتيجى وتعدد القوى فى المنطقة، بل يبرهن على اتجاه ثابت نحو نظام متعدد الأقطاب.. فالقوة الحاسمة لها أكثر من بعد وشكل ولا تمتلكها دولة بشكل حصرى.
انقسام إسرائيلى حاد بشأن لبنان ونتنياهو تحت ضغط شعبى متصاعد
«هزيمة نادرة»| الكونجرس الأمريكى يضيق الخناق على ترامب
المنطقة فوق برميل بارود| خامنئى: لن نتراجع.. وترامب يحذر من تجاوز الخطوط الحمراء







