مصر لا تحتاج إلى الهيمنة السياسية والاقتصادية على المنطقة لكى تكون ذات وزن.. يكفيها أن تكون حاضرة وفاعلة فى لحظات الاضطراب.
وقف العالم خلال الأيام الماضية أمام نتيجة لم يتوقعها كثيرون.. إعلان هدنة ووقف إطلاق نار فى إيران ولبنان. لم أكن أقرأ الطالع حين توقعت الأسبوع قبل الماضى انتهاء هذه الجولة من الحرب على إيران فى أبريل الجاري.. ترامب متعجل جدا ويريد اتفاقا بحلول الأربعاء القادم ويضغط بكل قوة.. الولايات المتحدة لن تستفيد عسكريا من استمرار المعركة أكثر من ذلك..
وفى الـ ٥٠ يوما القادمة تتأهب لتنظيم أكبر حدث كونى رياضى وهو كأس العالم ٢٠٢٦ فكيف تستعد لاستقبال ملايين المشجعين وتنتظر جنى المليارات وفى نفس الوقت تنخرط فى معركة ترفع أسعار الطيران وتكدر صفو الأمن العالمي؟.. المونديال يتطلب استقراراً .. لن يسامح أصحاب الفنادق والمنتجعات أو حتى سائقو التاكسى فى المدن الأمريكية فى أن يجعلهم «ترامب» يتحسرون على خسائرهم بسبب حرب على دولة لم تمثل يوما تهديداً للأراضى الأمريكية. كما يريد ترامب الظهور كـ «صانع سلام منتصر» قبل الافتتاح الكبير، وقبل انتخابات الكونجرس الحاسمة التى قد تطيح بصلاحياته إذا استحوذ عليها خصومه الديمقراطيون.
لقد فاجأ ترامب الجميع، حتى شعب الاحتلال الإسرائيلي، حين قال إنه يتوقع اتفاقاً وشيكاً مع إيران هذا الأسبوع بل وأعلن وقف الحرب فى لبنان قبل أن يعلنها نتنياهو نفسه، ليعلم وزراء الأخير بالأمر من شاشات التلفزيون فى صدمة هزت الداخل الإسرائيلى الذى راهن على استمرار الحرب ٦ أشهر على الأقل.. أهداف نتنياهو لم تتحقق؛ النظام الإيرانى لم يسقط والشرق الأوسط لم يتغير بل أتوقع أن يسقط هو وحكومته الدموية فى انتخابات أكتوبر القادم وبالطبع سيحاول إشعال حرب أخرى هنا أو هناك فتلك عادة هذا الشيطان وأعوانه.
وبينما اتجهت الأنظار نحو عواصم أخرى وراء هذا السلام المفاجئ، كشفت مراكز الأبحاث الكبرى فى واشنطن الحقيقة..القاهرة كانت حاضرة فى كل مفصل من مفاصل هذه الحرب التى كادت أن تغرق العالم فى ظلام دامس. مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى نشرت قبل يومين تقريراً بعنوان «دور مصر الخفى فى وقف إطلاق النار»،
ويحتفى بدور القاهرة التى اعتقد البعض أنها غائبة، وهى فى الحقيقة شاركت بقوة فى الأزمة قبل وبعد وقوعها بدبلوماسية محترفة بعيدة عن الضوضاء والأضواء ونجحت بالتعاون مع تركيا وباكستان وقطر فى تيسير التهدئة بين واشنطن وطهران وبيروت.
ويكشف التقرير عن تحركات مصرية دقيقة شملت فتح جسور تواصل بين واشنطن وطهران فى وقت كانت فيه الرسائل المباشرة منقطعة موضحا أن الدور المصرى كان تكتيكيًا واستراتيجيًا فى آنٍ واحد ، من خلال تسهيل الاتصالات وتضييق الفجوة فى المواجهة السياسية والعسكرية بين واشنطن وطهران.
ويؤكد التقرير أن الوسطاء المصريين حذروا من خطورة الاستمرار فى استهداف دول الخليج كما نقلوا تحذيرات إيرانية بشأن احتمال الرد فى حال اتساع رقعة الصراع. وقد ساهم هذا التبادل فى تقليل مخاطر سوء التقدير، وسمح لكلا الجانبين باختبار سبل الخروج المحتملة قبل تفاقمها للأسوأ ..كما عمل المصريون على توضيح الخطوط الحمراء، والدفع إلى تقارب لخفض التصعيد والتحذير من الإجراءات التى قد تؤدى إلى رد فعل خاطئ.
وأشادت «كارنيجى» بدور مصر المحورى فى تهدئة الأزمات الإقليمية وتشجيع ضبط النفس وخفض التصعيد بين القوى الإقليمية المتنافسة. واختتمت تقريرها بعبارة « مصر لا تحتاج إلى الهيمنة السياسية والاقتصادية على المنطقة لكى تكون ذات وزن . يكفيها أن تكون حاضرة وفاعلة فى لحظات الاضطراب. ومن خلال خبرتها ودبلوماسيتها، تثبت أنه حتى لو خفت دورها الإقليمى فى عقود مضت إلا أن جمرتها لم تنطفئ قط.».
قد يذهب البعض إلى أن الانسحاب الأمريكى كان سيحدث حتماً للأسباب السياسية والرياضية التى ذكرتها، حتى لو لم تتحرك القاهرة؛ لكن هذا الاعتقاد يغفل حقيقة مهمة. فالعملاق الأمريكى، قد يقرر المغادرة، لكن الطرف الآخر الذى لم يُسحق تماماً قد لا يسمح لك بالرحيل دون «إشارات طمأنة» واضحة، أو قد يتصرف الثور بحماقة غير محسوبة يفسرها العملاق كتهديد وجودى يستوجب الاستمرار، وربما استخدام أسلحة التدمير الشامل لإنهاء النزاع للأبد.
وهذا تحديداً ما استشعره العالم حين لوّح «ترامب» بأن حضارة بأكملها قد تمحى من الخارطة. هنا برزت حكمة التدخل المصري؛ فلو لم يتدخل الوسطاء فى ذلك التوقيت الحرج لإعادة ضبط «الإشارات» وتوضيح الخطوط الحمراء، لوصل الحريق العظيم إلى عنان السماء. لقد قامت القاهرة بدور «رجل المطافئ» الذى منع الطرفين من السقوط فى فخ سوء التقدير، محولة المواجهة الصفرية إلى تفاهمات هادئة نأمل أن تستمر.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







