اليوم ونحن فى عالم جديد كلياً حدوده لا تُرسم لا بالخرائط، بل بخيوط الملاحة وخطوط الطاقة، تبدو الممرات البحرية أشبه بشرايين الحياة فى جسد الاقتصاد الدولى. ومن بين تلك الشرايين، يبرز مضيقا هرمز وباب المندب كعقدتين مركزيتين فى معادلة النفوذ، حيث لا تمر السفن فقط، بل تمر الإرادات السياسية وموازين القوة والتجارة الدولية.
منذ عودة دونالد ترامب إلى صدارة المشهد السياسى الأمريكى، بدا واضحاً أن إدارته تمضى بخطى متسارعة نحو إعادة بعث تصور قديم-جديد. إمبراطورية أمريكية لا تغيب عنها الشمس، تفرض حضورها لا عبر الاحتلال التقليدى، بل من خلال السيطرة المُحكمة على مفاصل التجارة العالمية ومضايقها الاستراتيجية.
فى هذا السياق، لم يكن التشدد الأمريكى فى مضيق هرمز مجرد إجراء عسكرى عابر، بل كان رسالة جيوسياسية متعددة الطبقات. فقد وضعت واشنطن قفلاً عسكرياً على واحد من أهم شرايين الطاقة فى العالم، لتُحكِم الخناق على إيران وحلفائها، وتُمسك بهم من نقطة الألم الاقتصادى، حيث يلتقى النفط بالسياسة، وتتقاطع العقوبات مع الحسابات العسكرية.
لكن قراءة متأنية لسلوك إدارة ترامب تكشف عن أن هرمز ليس سوى محطة أولى فى استراتيجية أوسع، تتجاوز الخليج إلى البحر الأحمر، حيث يقف باب المندب كجائزة جيوسياسية لا تقل أهمية. فهذا المضيق، الذى يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن، يمثل بوابة حيوية للتجارة بين آسيا وأوروبا، كما يشكل امتداداً مباشراً لأمن قناة السويس، الشريان الملاحى الأهم لمصر والعالم.
التحرك المُحتمل نحو باب المندب لا يمكن فصله عن طموح أمريكى لإعادة هندسة المجال البحرى الدولى، عبر فرض رقابة فعلية على عقد الملاحة الكبرى. وإذا ما أُضيف إلى ذلك التوترات المزمنة فى القرن الإفريقى، والهشاشة السياسية فى بعض الدول المطلة على البحر الأحمر، فإن المشهد يصبح أكثر تعقيداً، وأشد قابلية للاشتعال.
إننا هنا لا نتحدث عن مجرد انتشار عسكرى، بل عن إعادة تشكيل لموازين القوة فى منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم حساسية. فالتواجد الأمريكى المُكثف فى باب المندب قد يفتح الباب أمام ترتيبات أمنية جديدة، وربما صراعات بالوكالة، تمتد آثارها إلى شرق إفريقيا، وتنعكس مباشرة على الدول العربية المطلة على البحر الأحمر.
والأخطر من ذلك، أن أى اضطراب فى هذا المضيق لن يكون شأناً إقليمياً محدوداً، بل زلزال جيوسياسى تتردد أصداؤه فى أسواق الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد الدولية. وإذا كان إغلاق هرمز«رغم بعده الجغرافى» قد ترك أثراً بالغاً على اقتصادات المنطقة، فكيف سيكون الحال إذا انتقل الضغط إلى الفناء الخلفي؟
إننا أمام لحظة فارقة، تستدعى قراءة دقيقة للمشهد، وإعادة ترتيب للأوراق، ليس فقط على المستوى الأمنى، بل أيضاً على صعيد التحالفات الإقليمية والدولية. فالحضور فى معادلة البحر الأحمر لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة المرحلة.
فى النهاية، يبدو أن ترامب لا يسعى فقط إلى إدارة العالم، بل إلى تنظيم مروره، كشرطى يقف عند تقاطعات البحار، يفتح الطريق لمن يشاء، ويغلقه فى وجه من يشاء. وبين هرمز وباب المندب، تُكتب فصول جديدة من صراع النفوذ، حيث لا مكان للغافلين، ولا نجاة لمن يتأخر عن قراءة المشهد.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







