سعدنيات

مصر عظيمة العشاق

أكرم السعدنى
أكرم السعدنى


أحد أعظم عشاق المحروسة وأكثرهم افتتانًا بها سواء بالبشر أم بالحجر منذ أن زارها قاصدًا الدراسة فى فرع من العلوم وهو الزراعة وتحديدًا جامعة القاهرة فى ستينيات القرن الماضى، حيث كان اللون الأخضر فى الشارقة أمرًا شديد الندرة، ولعلنا لو زرنا تلك الإمارة التى ابتسم لها الحظ فتولى أمرها بعد ذلك فى العام ١٩٧٣ لبطل العجب.

فقد تحولت خلال عشر سنوات إلى جنة خضراء، انتشر النخيل والورود فى ميادينها وطرقها، وانشقت الصحراء عن عمران يشبه المعجزة، وفوق ذلك كانت لها من مصر بعضًا من روحها وعبقها وريحها الطيب الذى يجعلها تسكن قلوب عشاقها، وقد امتدت أواصر الصداقة لتشمل عمى وتاج الرأس صلاح السعدنى، والجميل دائم البهجة عادل إمام، أمد الله عمره، إذ كانت سنوات الدراسة هى أجمل أيام عمر هذه الكوكبة من الطلبة، والتى اكتشفت بالصدفة واحدًا منهم وهو الدكتور رزق الجمال، والذى التقيته بالصدفة فإذا به يفتح خزائن الذكريات.

حيث كشفت سنوات الدراسة عظيم شمائلهم، فكان للشيخ سلطان نصيب من حكاويه، وكيف أنه سكن أولًا فى منطقة المنيل على نيل مصر، فإذا بدائرة لا حدود لها من ساكنى هذه المنطقة يدخلون دائرة صداقاته، الفقير قبل الغنى، والضعيف قبل القوى، والشىء الأعجب أنهم أيضًا أصبحوا ضمن دائرة اهتمامه، وهى دائرة كانت تتسع بمرور الزمن لتضم أعدادًا لا حصر لها، وفى صمت بليغ كان يسدد ديون البعض، ويفك زنقة البعض، ويمنح مبالغ شهرية لأكبر عدد من المحتاجين من البسطاء، ويساهم فى حل أية مشكلات تستعصى على أيٍّ منهم.

ويحكى العم رزق كيف تعرف على الطالب سلطان القاسمى، فيقول: كنا نجلس فى الكافيتريا فى ركن عُرف باسم ركن السعدنى نسبةً للعم صلاح، حيث يتناولون ساندويتشات الفول ويحبسون بعدد من أكواب الشاى، ويشعلون سجاير البلومنت، ثم أرادوا دفع الحساب، يخبرهم الجارسون بأن الحساب وصل، وظن رزق أن العم صلاح قام بالواجب، وظن صلاح الشىء نفسه، ولكن الأمر تكرر بعد ذلك كثيرًا، وانتشر بين رواد الكافيتريا: «فالحساب وصل»، هكذا كان الجارسون يقول لكل الطلبة، حتى جاء يوم اكتشفوا أن الطالب الذى يتولى الدفع هو الزميل القادم من إمارة الشارقة، فإذا دخل الكافيتريا دفع حساب الجميع، وهكذا كان، ولابد من معرفة هذا الطالب الذى أثار دهشة الجميع.

واكتشف الطلبة فى زميلهم الأصيل إنسانًا ظل على الدوام يسكن القلب والعقل معًا، اكتشفوا محبًا لا نظير له للمحروسة، وعاشقًا للتاريخ، جاب القاهرة والجيزة شبرًا شبرًا، يزور معالمها التاريخية، ويتناول طعامه فى محلات الفول والطعمية والكشرى، وكان أقربها إلى قلبه محل للفول فى شارع بورسعيد، وذلك بفضل الأضرحة التاريخية المحيطة به والتى لا مثيل لها فى عالمنا العربى، وكان يصادق الغلابة والبسطاء، ويصلى معهم كافة الفروض فى جوامع المحروسة، وفوق ذلك كان صديقًا تجده عند العسر والشدة قبل اليسر والفرح، هكذا كان سلوك الطالب الذى أطلق عليه الطيبون من أهل مصر المقيمون فى الشارقة الحاكم الصالح سلطان القاسمى.

حفظه الله هو وكل عشاق مصر العظام.

ولا يزال فى حديث العم رزق الكثير من الأسرار، أخطرها ابن عمه الذى أصبح أهم جاسوس مصرى فى تاريخ صراعنا المرير، إنه رفعت الجمال.

وللحديث بقية