في قلب الريف المصري، حيث كانت "المندرة" و"الدوار" هما وسيلة التواصل الوحيدة لفض النزاعات وتداول الأخبار، ظهر منافس رقمي جديد استطاع أن يجمع شتات العائلات في فضاء واحد؛ إنها صفحات "فيسبوك" التي تحمل أسماء القرى والنجوع، والتي تحولت بمرور الوقت من مجرد منصات اجتماعية إلى "برلمانات شعبية" قادرة على تحريك الرأي العام المحلي، بل وقيادة المبادرات الخدمية والخيرية. هذه الصفحات لم تعد ترفاً، بل أصبحت وسيلة التواصل الأولى والوحيدة التي تسبق في سرعتها "ميكروفونات المساجد" في إعلان حالات الوفاة، أو التنبيه لأعطال الكهرباء والمياه، أو حتى البحث عن المفقودات.
إلا أن هذه القوة الناعمة التي تمتلكها الصفحات تضع القائمين عليها أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية جسيمة؛ فالبنشور العابر الذي يكتبه شاب مندفع قد يشعل فتنة بين عائلتين تمتد جذورهما لعقود من المصاهرة والجيرة، ومن هنا تبرز الأهمية القصوى لعملية "انتقاء المحتوى" وترشيح أصحاب المنشورات. إن المشرف على صفحة القرية ليس مجرد "أدمن" تقني، بل هو "شيخ عرب" في ثوب رقمي، عليه أن يمتلك الفطنة لرفض كل ما يثير النعرات العائلية أو يمس الرموز والشخصيات العامة بالتشهير والتجريح تحت دعاوى النقد، فالهدف الأسمى لهذه المنصات يجب أن يظل "اللم الشمل" وليس التفرقة.
وعندما تتحول هذه الصفحات إلى ساحات للمشاحنات أو تصفية الحسابات الشخصية بين العائلات، فإنها تفقد قدسيتها ودورها التنموي وتتحول إلى معول هدم للنسيج الاجتماعي المتماسك في القرى. لذا، فإن الوعي بفلترة المنشورات ومنع "خطاب الكراهية" أو التنابز بالألقاب العائلية هو الصمام الوحيد الذي يضمن بقاء هذه الصفحات كأدوات للتكافل الاجتماعي، بحيث تظل نافذة للخير، ومنبراً لتكريم المتفوقين، ووسيلة لجمع التبرعات للمرضى، بعيداً عن مستنقع الفتن الذي لا يترك في القرى إلا الندوب والخصومات التي يصعب مداواتها.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







