إنصاف المرأة يعزز استقرار الأسرة| تطوير قانون الأحوال الشخصية اجتهاد مشروع يحفظ الثوابت

د. أحمد كريمة - د.عزة عثمان - د. فودة السيد
د. أحمد كريمة - د.عزة عثمان - د. فودة السيد


حسام بركات

فى لحظة تتشابك فيها التحديات الاجتماعية مع تطلعات الإصلاح، يعود ملف قانون الأحوال الشخصية إلى الواجهة، لا باعتباره نصوصًا جامدة، بل كقضية تمس استقرار الأسرة، وكرامة المرأة، ومستقبل الأبناء، وبين أصواتٍ تنادى بالتحديث، وأخرى تخشى التفريط، تبرز رؤية وسطية تستند إلى روح الشريعة ومقاصدها، وتستحضر توجيهات الدولة التى جعلت من دعم الأسرة وتمكين المرأة أولوية وطنية.

فى هذا السياق يؤكد د. أحمد كريمة، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر الشريف، أن الشريعة الإسلامية لم تكن يومًا عائقا أمام التطوير، بل وضعت إطارا مرنا يحقق العدل ويراعى تغير الأحوال، كما أن الأحكام المرتبطة بالأسرة تقوم على مقاصد عظيمة، فى مقدمتها حفظ النفس، وصيانة الكرامة، واستقرار المجتمع، مشيرًا إلى أن أى تعديل تشريعى يجب أن ينطلق من هذه المقاصد، لا من ردود أفعال آنية.

ويضيف أن القرآن الكريم وضع أساس العلاقة الزوجية على المودة والرحمة، فى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، وهو ما يعنى أن الأصل فى التشريع هو تحقيق السكن النفسي؛ لا تعميق الصراع،

وأرى أن الجدل الدائر حول بعض القضايا، مثل الطلاق الشفهى أو حق الاستضافة، يحتاج إلى اجتهاد منضبط، يوازن بين النصوص الشرعية ومتطلبات الواقع، دون إخلال بالثوابت.

يضيف د. فودة السيد، إمام وخطيب مسجد الإمام الشافعى أن الخطاب الدينى المعاصر أصبح أكثر وعيًا بقضايا المرأة، وأكثر حرصًا على تصحيح المفاهيم المغلوطة التى رسخت عبر سنوات من الفهم غير الدقيق للنصوص.

ويشير إلى أن «الإسلام كفل للمرأة حقوقًا واضحة لا تقبل الانتقاص، سواء فى النفقة أو الحضانة أو الكرامة الإنسانية» مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، مؤكدًا أن هذه الآية تمثل قاعدة عامة تحكم كل تفاصيل العلاقة الزوجية.. ويضيف أن توجيهات القيادة السياسية بضرورة إصدار قانون متوازن تعكس إدراكًا عميقًا بأن استقرار المجتمع يبدأ من الأسرة، وأن حماية المرأة لا تعنى هدم كيان الأسرة، بل دعمه على أسس عادلة.

ويقول د. طاهر زيد ، مدير حركة حوار، بدار الإفتاء، إن «الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال» وهى قاعدة فقهية أصيلة تفتح الباب أمام تطوير القوانين بما يتناسب مع مستجدات العصر، وأن القضايا المطروحة اليوم، مثل تنظيم الرؤية أو توثيق الطلاق، لم تكن بنفس التعقيد فى الماضي، وهو ما يفرض ضرورة الاجتهاد الجماعي، الذى يجمع بين الفقهاء والقانونيين وعلماء الاجتماع..

ويشدد على أن الهدف ليس الانحياز لطرف على حساب آخر، بل تحقيق العدل الذى أمر به الإسلام، قائلًا: «إذا تحقق العدل، استقرت الأسرة، وإذا غاب، تحولت القوانين إلى مصدر للنزاع».

وتؤكد د.عزة عثمان، أستاذ الإعلام بجامعة سوهاج، أن تناول قضية قانون الأحوال الشخصية لا ينبغى أن يقتصر على الجوانب القانونية أو الفقهية فقط، بل يجب النظر إليه أيضًا باعتباره قضية وعى مجتمعى تشكلها وسائل الإعلام بدرجة كبيرة، وأن الإعلام لعب خلال السنوات الماضية دورًا مزدوجًا؛ فبينما ساهم فى تسليط الضوء على مشكلات حقيقية تعانى منها المرأة بعد الطلاق، فإنه فى بعض الأحيان قدّم صورة أحادية للصراع داخل الأسرة، ما أدى إلى ترسيخ حالة من الاستقطاب بين الرجل والمرأة.

وترى أن المرحلة الحالية تتطلب خطابًا إعلاميًا أكثر توازنًا، يعكس حقيقة أن العلاقة داخل الأسرة قائمة على الشراكة لا الصراع، وأن أى قانون يجب أن يُفهم فى هذا الإطار.

وتشدد على أهمية تقديم نماذج إيجابية للأسرة المستقرة، إلى جانب مناقشة المشكلات، حتى لا يتحول الإعلام إلى أداة لتضخيم الأزمات.

وتشير إلى أن التناول الإعلامى الواعى يمكن أن يدعم توجهات الدولة فى تحقيق التوازن بين إنصاف المرأة والحفاظ على تماسك الأسرة، خاصة إذا استند إلى آراء العلماء والمتخصصين، وابتعد عن الإثارة، ليصبح شريكًا حقيقيا فى بناء وعى مجتمعى قادر على استيعاب أى تطوير تشريعى.